قصة نجاح كارولي جيرينادي

خلال الجزء الأكبر من السنة تظل جزيرة أبودا أرضا مبعثرة تقع على ضفة أبودا من نهر الدانوب في العاصمة المجرية بودابست. والمخازن المتهدمة التي تغطي أرض الجزيرة هي الوحيدة التي تذكر المشاهد بموقع بناء السفن الذي كان يوظف في يوم من الأيام آلاف العمال الذين يقومون بصناعة بعض من أكبر السفن الكاسرة للجليد التي كانت تمر عبر النهر إلى البحر الأسود وإلى ما ورائه.
ولو لم يكن الأمر بيد كارولي جيرينادي فإن الجزيرة كانت ستتلاشى وتصبح في طائلة النسيان بعد أن سلمت آخر السفن التي صنعتها في عام 1992 لتقع ضحية التحول الاقتصادي الذي شهدته هنغاريا والذي ألحق الخراب بالصناعات التقليدية في البلاد.
يعد السيد جيرينادي القوة الدافعة وراء مهرجان “زيجيت” (أو الجزيرة) السنوي عندما تتحول الجزيرة لمدة سبعة أيام في شهر أغسطس من كل عام إلى مكان يحفل بالمسارح الموسيقية ومكبرات الصوت التي تبث أصوات الموسيقى لنحو 400 ألف شاب يعسكرون في الجزيرة لمدة أسبوع للاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وللاحتفال. وعن أول مهرجان في الجزيرة تم تنظيمه في عام 1993، أي بعد عام واحد من غلق موقف بناء السفن، يقول جيرينادي “كنت أنقى الحاضرين. فقد أردت للمهرجان أن يكون فعالية من النوع الذي استمتع به ويستمتع به أصدقائي”.
منذ ذلك الوقت، أصبحت مشاريع جيرينادي تتضمن إقامة مهرجانات أخرى إلى جانب افتتاح مطعم من الدرجة الأولى في الجزيرة. إلا أنه يبدو مقاوما لفكرة أن يسمى في يوم من الأيام رائد أعمال مشاريعي (entrepreneur). ففي مكتبه المزدحم بالأوراق وببقايا الأطعمة الموضوعة على طاولته، يؤكد جيرينادي البالغ 38 عاما من العمر على أن ما يقوم به لا يعدو أن يكون عملا يستمتع فيه بنفسه.
ولكن في خضم عمله هذا استطاع جيرينادي من خلق شيء أكبر. إذ أن قصة مهرجان “زيجيت” تصلح لأن تكون مرآة عاكسة لقصة المجر بل ولقصة أوروبا الوسطى منذ نهاية العهد الشيوعي.
فعندما حضر جيرينادي وصديقه، بيتر مولير، إلى مركز بلدية بودابيست في أوائل عام 1993 طالبين رخصة الاستخدام المجاني لجزء من أرض المدينة لإقامة فعالية مدتها أسبوع، فإنهما كانا ينتهزان فرصة مبكرة في مرحلة انتقال المجر.
وعن ذلك يقول جيرينادي متذكرا الحظ في التوقيت الذي يمثل نقطة انطلاق رواد الأعمال “كان هناك اعتقاد بأننا نعيش في عالم جديد في عام 1993، وعندما جاءت مجموعة من الشبان طالبين استخدام الجزيرة لمدة أسبوع، أبدت السلطات تفهما ودعما. أما اليوم فإن نفس هذه السلطات ربما تستدعي الشرطة في مواجهة مثل هذا الطلب”.
غالبية الجمهور المقدر بنحو 43 ألف شخص الذين حضروا المهرجان الأول كانوا سكان المدينة. ولكن في مهرجان العام التالي استطاع جيرينادي من الاستفادة من الذكرى الخامسة والعشرين لمهرجان “وودستوك” الذي يجري تنظيمه سنويا في نيويورك لكي يعمد على اسضافة فرق موسيقية شاركت في مهرجان “وودستوك” الأول في عام 1969 مما دفع بأعداد كبيرة من الأجانب إلى الحضور.
وبالنسبة إلى محبي الموسيقى الصاخبة فقد كان مهرجان “ريجيت” سببا يدفعهم في وضع مدينة بودابيست التي تعتبر أقل العواصم زيارة من بين عواصم دول وسط أوروبا في مقدمة المدن التي يودون زيارتها وقضاء عدة أيام فيها.
وبسبب طبيعته المعارضة، قضى كارولي جيرينادي السنوات الأخيرة من العهد الشيوعي وهو يروج للفرق الموسيقية في بودابيست، متحديا رغبة والديه اللذين أرادا له أن يتخذ له مهنة في الأعمال. وقد تعمق الخلاف بينه وبين والديه عندما استثمر مبلغا من المال قدمه له والده لكي يشتري شقة له في أول مهرجان “زيجيت”.
بحلول ذلك الوقت أصبح جيرينادي قائدا لمجموعة من الأشخاص الذين يشتركون معه في الرأي والتطلعات. وعن هذه المجموعة يقول جيرينادي “كنا جميعا متطوعين. كان من بيننا المعلم وبائع الورد والموظف”.
انطوى تنظيم أول مهرجانين على خسائر ملموسة. غير أن جيرينادي استطاع أن يقنع الممولين بمنحه المزيد من الوقت لكي يستطيع تسوية ديونه. إذ يقول “لقد كنا نرى أننا نقوم بشيء مثير وذي قيمة”.
في البداية كان جيرينادي المالك لحصة أغلبية والمدير العام العام للمهرجان، ولكن فقط بعد مرور السنة الثانية على عمله هذا قرر أن ينصرف بالكامل لمهرجان “زيجيت” وأن يقوم بتشغيل موظفين مهنيين. وعن ذلك يقول “كنت أرى ما كان ممكنا، ولكن كان يتعين علينا أن نحقق العوائد. فقد كان على الشركة أن تنتقل من الاعتماد على حماس الناس إلى التعاقد معهم وتوظيفهم حسب قابلياتهم”.
والنتيجة تمثلت في أن فعاليات الشركة بدأت تنتقل إلى الربحية. وبحلول عام 1997 استطاع جيرينادي أن يبرهن على جدوى مشروعه حتى لوالديه.
لا يزال جيرينادي يشغل منصب المدير العام المسؤول عن إدارة الشؤون اليومية للشركة. إلا أنه لم يعد المالك لحصة الأغلبية فيها. إذ تعود 74% من ملكية مهرجان “زيجيت” الذي تقيمه الشركة إلى شركة “سيزجيرنا إنفيست”، وهي شركة يمتلك فيها جيرينادي حصة نسبتها 65% في حين تعود الحصة المتبقية منها إلى صديقه غابور تاكاكس. أما الحصة المتبقية من مهرجان “زيجيت” فتعود إلى شركة “إيكونيت.هو” للإعلام.
وفي عام 2009 استقطب مهرجان “زيجيت” 390 ألف زائر، جاء أكثر من نصفهم من خارج المجر. وقد دفع الزوار 217 دولارا عن كل بطاقة دخول. وتصل رسوم الأداء الرئيسي في المهرجان إلى 600 ألف يويرو. وقد حقق المهرجان في ذلك العام أرباحا قيمتها 1.4 مليون دولار من مبيعات خلال اسبوع قيمتها 21 مليون دولار. وبحلول العام الحالي أصبح مهرجان “زيجيت” واحدا من أكبر المهرجانات الموسيقية في أوروبا.
بيد أن جيرينادي ما يزال يصف مهرجان “زيجيت” باعتباره هواية له، من جهة، ومنصة لإقامة الحملات المتنوعة، من جهة أخرى. وتحت هذا الشعار اتخذ المهرجان مواقف جريئة. فعلى سبيل المثال، أصبح المهرجان محط انتقادات لاذعة من قبل الأوساط المحافظة بسبب استضافة المهرجان لفعاليات تدافع عن حقوق المثليين. وتعد قضية المثليين قضية ساخنة في في بلد منح 17% من الأصوات في انتخابات أوائل هذا العام إلى حركة المجر الأفضل التي تعد حركة قومية متطرفة.
ويواجه جيرينادي هذه النزعات الاجتماعية المحافظة، التي تقف على خلاف واضح مع عالم الأمل والفرص الذي عاش فيه في بداية تسعينات القرن المنصرم، بقلق لكنه يرى في أعماله باعتبارها منصة يستطيع من خلالها مجابهة تلك النزعات.
وعن ذلك يقول “هذا البلد صغير بلغة غريبة. لذلك من المهم جدا أن نحافظ على قيمنا ولكن يتعين علينا أيضا أن نبقى منفتحين أمام التأثيرات الخارجية”.
وهذا التفكير يقف خلف مشروه “كوستيس”، وهو مطعم شارك جيرينادي في تأسيسه في عام 2007. وقد كان هذا المطعم الثاني في أوروبا الشرقية الذي يفوز بجائزة “نجمة ميشيلين”. وعن هذا المشروع يقول جيرينادي “كنت منزعجا عندما لا أرى أي مكان في البلد يستطيع المرء فيه أن يحصل على خدمات طعام جيدة وطبخات لذيذة. فقد كانت المطاعم لا تكن الكثير من الاحترام إلى روادها وهو ما دفعني لكي أظهر أنه بالإمكان تسيير عمل المطاعم بشكل مختلف”.
ويمتلك جيرينادي أقل بقليل من النصف في المطعم في حين تعود ملكية الحصة المتبقية ومقدارها 52% إلى صديقين له يحملان نفس الحماس نحو فن المطاعم. ويقدر بأن استثماراته في المطعم تصل إلى 1.3 مليون دولار.
ويرى جيرينادي في مثل هذه المبادرات باعتبارها هجوما معاكسا ضد نزعة الانعزال في البلد. إذ يقول “نحن نميل إلى أن ننطوي على أنفسنا في المجر محاولين أن نقنع أنفسنا بأننا أفضل حتى من دون أن ننظر إلى ما يحدث في أماكن أخرى. لدينا إمكانات عظيمة لكن الأمر لا يتعلق بوجود الإمكانات بل في ما نفعل بها”.
وعندما يفقد أي مشروع تأثيره باعتباره منصة ومجال لعمل أشياء أخرى فإن جيرينادي يفقد اهتمامه فيه. ولعل نهجه الفريد يجعله غير متأكد من وصف نفسه على الرغم من نزعته الواضحة في ريادة الأعمال. إذ يقول “قد أكون رائد أعمال معروفا لكني لم أفكر على الإطلاق بأنني كذلك. فما يهمني هو النشاط وليس الربح المحتمل”.
لكن جيرينادي يؤكد على أنه ريادة الأعمال تجري في عروقه على الرغم من عدم وجود هذا الشيء في خلفيته. وعن ذلك يقول “كان زوج أمي يمتلك في الثمانينات محلا صغيرا لتصليح السيارات، وعليك أن تذهب إلى ثورات 1848 لكي تجد رائدا للأعمال في عائلتي. إلا إنني أخذت على الدوام جديا فكرة أن تغيير النظام قد جلب معه عالما جديدا، عالم يستطيع المرء فيه أخيرا أن يؤسس عملا له”.

جيرينادي في كلماته

• حول كيف يصبح المرء رائد أعمال: “العمل هو مجرد فكرة اهتم بها وأريد أن أقوم بها على أفضل ما يمكن”.
• حول كيف يصبح المرء رائد أعمال في المجر: “إن أكبر مشكلة في البلاد تتمثل في أنه إذا أراد شخص ما أن يكون ناجحا فإن الآخرين لا يسألونه عما يعرفه أو عما يقوم به بل أن ردة فعلهم تجاهه تتمثل نظرتهم إليه باعتباره محتالا أو أنه يجب أن يودع السجن”.
• حول القيام بالأعمال في ظل الدولة بالمجر: “تسير الأمور على ما يرام إذا ما سمح السياسون بعمليات انتقال جيدة بالحدوث. وأكثر ما يزعجني هو أن تعمد الدولة إلى تشويه السوق أي عندما نقوم بشيء ناجح لتأتي الدولة لكي تدعم شيئا آخر يقوض النجاح”.
• حول التعامل مع الفساد: “في مرتين طلب منا المجهزون رشوة وكنا قادرين على رفض طلبهم. نحن محظوظون لأننا كبار في مجال محدود للغاية، فالراعون والمجهزون بحاجة إلينا”.

قصة نجاح عظيم بريمجي

عظيم بريمجي هو أغنى مشاريعي مسلم في العالم خرج عن قاعدة الأثرياء المعروفين في العالمين العربي والإسلامي. فهو، حسب صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير نشرته عنه مؤخرا، لا ينحدر من أسرة غنية في منطقة الخليج العربي ولا يعمل في مجال النفط، بل هو مواطن هندي عاش وترعرع في مدينة مومباي.
يشغل عظيم بريمجي المولود في 24 يوليو 1945 منصب رئيس مجلس إدارة شركة “ويبرو” التي يقع مقرها في مدينة بنغلور والتي أصبحت اليوم واحدة من أكبر الشركات المنتجة لبرامج الكمبيوتر في الهند.

وقد أدرجت مجلة “فوربس” بريمجي في قائمة أغنى رجال العالم معتبرة إياه أغنى رجل في الهند خلال الفترة بين 1999 و 2005.
لقد استطاع بريمجي أن يستغل الكفاءات الهندسية الموجودة بوفرة في الهند ليحول شركة صغيرة تعود إلى أسرته تقوم بإنتاج الزيوت النباتية وتحمل اسم “ويبرو المحدودة” إلى عملاق في مجال التكنولوجيا وأنشطة التعهيد (outsourcing).
فعن طريق خدماتها التي تقدمها إلى شركات الصناعة والطيران والمرافق والتي تتخذ من الدول الغربية والمتقدمة مقرات لأعمالها وأنشطتها، درت الشركة على بريمجي ثروة تقدر بنحو 17 مليار دولار، يعتقد بأنها أكبر من أي ثروة تعود إلى أي رجل مسلم خارج منطقة الخليج العربي.
أكمل بريمجي دراسته الثانوية في مدرسة سانت ميري في مدينة مومباي. ولم تمض سوى فترة قصيرة بعد حصوله على لشهادة البكالوريوس في الهندسة من جامعة ستانفورد الأمريكية في عام 1966 حتى تم استدعائه من قبل إسرته للرجوع إلى الهند لوفاة والده. وقد عاد إلى الهند لينهض بمهمة إدارة أعمال الأسرة في مجال إنتاج الزيوت النباتية.

يقول بريمجي في مقابلة أجرتها الصحيفة معه إن هذا النجاح يظهر بأن العولمة تتحول إلى مسار ذي طريقين يمكن أن يدر فوائد كبيرة على البلدان النامية.

إلهام لمسلمي الهند

لقد بدأ صعود وتألق بريمجي في عالم الأعمال بإلهام العديد من المسلمين في الهند نحو احتضان العالم الحديث المعولم. إذ يقول عنه محمد جويد، عميد كلية الأمين في مدينة بنغلور والتي تدرس فيها غالبية من الطلبة المسلمين، إن بريمجي “بات يمثل نموذجا يحتذى به. فقد أظهر بأن البراعة لا تعود إلى طائفة أو دين، وبأنه غذا ما امتلك شخص ما البراعة فإن بإمكانه أن يصعد إلى القمة”.
تمضي الصحيفة إلى القول إن نموذجا على غرار بريمجي هو ما قد يحتاج إليه المسلمون في الهند. فعلى الرغم من أن أقتصاد البلاد يشعد نموا معدله 9% سنويا، إلا أن الغالبية العظمى من سكان البلاد المسلمين الذين يقدر عددهم بنحو 150 مليون نسمة، أو ما يمثل أكبر سكان مسلم في العالم بعد إندونيسيا وباكستان، ما زالوا مهمشين اجتماعيا ويعانون من سوء التعليم وغارقين في فقر مدقع. وعموما فإن مسلمي الهند ما يزالون خارج عملية التحول الإجتماعي الجارية التي أدت إلى انتقال الملايين من مواطنيهم الهندوس نحو حياة أكثر رخاء وازدهارا، على الرغم من تداعي العوائق القائمة بين الطوائف ومن الفرص التي لم تكن موجودة في السابق والتي أصبحت تتيحها الشركات الهندية العملاقة الجديدة.

انتقادات أم حسد؟

ومع ذلك وبالنسبة للعديد من أبناء الجالية الهندية المسلكة فإن الثروة الهائلة التي يتمتع بها بريمجي وبدلا من أن تكون ملهمة لهم تظهر بأن النجاح في الهند يأتي مقابل ثمن باهظ ليسوا على استعداد لتحمله. فهم يكرهون حقيقة أن بريمجي يحاول دوما التقليل من شأنه جذوره الإسلامية ويتجنب تبني قضايا إسلامية. إذ يقول ظفر الإسلام خان، الأمين العام لمجلس شورى المسلمين الهنود، “إن كنت مسلما وأردت أن تكون ثريا في الهند فعليك أن تظهر بأنك علمانيا جدا”.
في واقع الأمر لم يشر بريمجي إلى خلفيته باعتباره مسلما إلا فيما ندر حتى أن العديد من المسلمين الهنود لم يكونوا على علم بأنه يشترك معهم في الديانة. كما أنه لا يوجد أي من كبار مديري شركة “ويبرو” باستثناء بريمجي نفسه، من هو مسلم. وتلتزم الشركة بساعات عمل اعتيادية حتى في العطلات الدينية الإسلامية. ومن بين موظفيها الذين يقدر عددهم بنحو 70 ألف موظف لا توجد سوى أقلية صغيرة من المسلمين، حسبما يقول سوديب بانيرجي، رئيس قسم في الشركة يساهم بنحو ثلث إجمالي الإيرادات.
أما المساهمات الخيرية التي يقوم بها بريمجي فيتم إنفاقها عبر صندوق يديره هندوس كان يشغل منصب مدير في شركة “ويبرو”، وتتوزع على الفقراء بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة طلب المسؤولين الأمريكيين من مؤسسة “عزيز بريمجي” المساعدة في بدء برنامج تعليمي مخصص لغرس القيم المعتدلة في المدارس الإسلامية. غير أن المؤسسة رفضت، حسبما أعلنه مديرها التنفيذي في ذلك الوقت، المشاراكة في أي مشروع يركز اهتمامه على الدين بحجة أنها “تعمل لصالح الجميع”.

هندي أم مسلم؟

في مقابلة أجرتها معه وول ستريت جورنال في مكتبه بشركة “ويبرو” بمدينة بنغلور، سخر بريمجي من الفكرة التي تقول إن عليه أن يظهر هويته الإسلامية أو أن يقود قضية الدفاع عن المسلمين في الهند قائلا “رأينا أنفسنا على الدوام باعتبارنا هنود. إذ لم نعتبر أنفسنا في يوم من الأيام هندوس أو مسلمين أو مسيحيين أو بوذيين”.
يقول المتتبعون لحياة بريمجي إن مثل هذه المبادئ العلمانية قد تشبع بها بطريقة طبيعية. فلم يلتحق بريمجي في صغره بواحدة من المدارس الإسلامية، بل انضم إلى مدرسة سانت ماري، وهي مدرسة كاثوليكية في مومباي، ليدرس بعد ذلك الهندسة الكهربائية في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا.
وباعتباره واحدا من أبرز رجال الأعمال المسلمين في الأربعينات من القرن الماضي، واجه إم أتش بريمجي، والد عظيم بريمجي، طلبات دعم متكررة من مؤسس باكستان، محمد علي جناح، الذي عرض عليه منصبا وزاريا في البلد المسلم الجديد. بيد أن أسرة بريمجي لم تكن تؤمن بتشكيل دولة مسلمة جديدة ورفضت بالتالي النزوح إلى باكستان. وعن ذلك يقول بريمجي “لم نكن نفكر على هذا الأساس. لقد كانت جذورنا في الهند وكانت جذورنا في مومباي. فما الذي يدعو إلى اقتلاع هذه الجذور؟”
وفي حين تشتكي المجموعات المسلمة في الهند من ظاهرة التمييز التي يواجهها المسلمون بشكل يومي، فإن بريمجي يقول إن المرة الوحيدة التي شعر فيها بالتميز لكون ذا أصول إسلامية لم تكن في الهند بل في مطار أمريكي وبعد فترة قصيرة من هجمات 11 سبتمبر. ويؤكد بريمجي على أنه وفي معرض قيامه بأعماله داخل الهند لا يفكر فيما إذا كان مسلما أو غير مسلم هو عامل سلبي أو إيجابي، قائلا إن أعمالي “تقوم على جدوى الفرص المتاحة”.

إدارة ناجحة

بعد وفاة والده في عام 1966، تولي عظيم بريمجي رئاسة شركة “ويبرو”، وهو بعمر لا يزيد عن 21 عاما، وذلك على الضد من رغبات أعضاء مجلس إدارة الشركة الذين أرادوا إدارة أكثر كفاءة. غير أن بريمجي أثبت وخلال فترة قصيرة كفاءته في إدارة الشركة ونقلها إلى مراحل أكثر تقدما. كانت المبيعات السنوية للشركة التي مضى على تعويم أسهمها فترة طويلة، رغم أن عائلة بريمجي تمتلك 81% من أسهمها، لا تتعدى 2 مليون دولار وقت تولي عظيم بريمجي قيادتها. وكانت تعرف في ذلك الوقت باسم “ويستيرن إنديا فيجيتابل بوردكت” في حين كان جل منتجاتها يتركز في زيت عباد الشمس الذي يعد أحد العناصر الرئيسية بالنسبة للمطبخ الهندي.
شرع بريمجي مباشرة بعد توليه قيادة الشركة في إستراتيجية تهدف إلى تنويع الأنشطة والعمليات. وتقوم تلك الإستراتيجية على رؤية بسيطة للغاية تتمثل في بناء مؤسسة تقوم على القيم. وقد سنحت الفرصة له لتتنفيذ هذه الإستراتيجة في عام 1977 عندما أطاح تحالف يضم الوطنيين الهندوس والإشتراكيين وغيرهم من ممثلي الطبقات الفقيرة بحزب المؤتمر الحاكم. وسرعان ما اتجهت الحكومة الجديدة تحت قيادة ذلك التحالف إلى التضييق على أنشطة الشركات متعددة الجنسية مما أدى إلى هجرة الشركات العملاقة مثل شركة “انترناشونال بيزنيس ماشينز (آي بي إم) وشركة “كوكا كولا”. ذلك فتح المجال واسعا أمام بريمجي لكي ينوع أنشطة شركته التي دخلت إلى مجال تصنيع أجهزة الكمبيوتر.
يتذكر بريمجي ذلك بالقول “انفتح المجال أمامنا بسبب حضر الواردات إلى الهند أو أن الواردات أصبحت مرتفعة الثمن بسبب الرسوم الجمركية”.
أقدم بريمجي على فتح محل في مدينة بنغلور الجنوبية التي يعتبر جوها الجاف مناسبا لتجميع السلع الإلكترونية. وقام بالتعاقد مع مديرين ومهندسين انحدروا من الصناعة العسكرية الهندية العملاقة. وخلال فترة قصيرة تحولت شركة “ويبرو” إلى كصنعة رئيسية لأجهزة التكنولوجيا المتقدمة.

القدرة على إيجاد الفرص

غير أن فورة الازدهار تلك انتهت في سنوات التسعينات بعد أن رأت الحكومة الهندية الجديدة صعود وازدهر الرأسمالية في الدول الإشتراكية السابقة لتقدم على التخلي عن مبدأ الإشتراكية وما انطوى عليه ذلك من تخفيف القيود على الواردات. ذلك قاد إلى تعرض شركة “ويبرو” وغيرها من الشركات الهندية المصنعة للسلع الإلكترونية إلى ما يشبه الأزمة. وعن ذلك يقول سوديب بانيرجي “لم تعد للسلع والخدمات التي كنا ننتجها حاجة كبيرة لأنه بات بإمكان المستهلكين أن يشتروا أفضل ما هو متاح في السوق العالمية”.
وفي حين لم تصمد العديد من الشركات المنافسة لشركة “ويبرو” مثل هذا التغير الجذري، استطاع بريمجي أن يشخص فرصة جديدة نجمت عن نفس هذا التحول في طبيعة الاقتصاد الهندي. فقد ذهبت شركة “ويبرو” إلى شركات أجنبية مثل “جنرال إلكتيريك” و “سان مايكروسيستيمز” من أجل القيام بأعمال مشتركة عارضة على تلك الشركات علاقات جديدة. فعند مستوى منخفض من التكاليف، كان مهندسو شركة “ويبرو” قادرين على تولي أعمال على أساس نظام التعهيد (outsourcing) تتمثل في التصميم والبحث والاختبار.
وخلال فترة قصيرة نسبيا، أصبح نشاط “ويبرو” في مجال التعهيد يغطي كافة أنحاء العالم. ولدى الشركة الآن مركز للاتصالات تقدم من خلاله خدماتها. كما تقوم الشركة بتصميم أجهزة الهاتف النقال لعدد من الشركات العالمية الكبرى المصنعة لتلك الأجهزة.
خلال السنة المالية المنتهية في 31 مارس 2007، ارتفعت أرباح “ويبرو” بنسبة 44% إلى 677 مليون دولار بفضل ارتفاع مبيعات الشركة بنسبة 41% إلى 3.47 مليار دولار. وبفضل التوسع الذي تشهده عمليات الشركة تضاعفت أسعار أسهم “ويبرو” التي يجري تداولها في سوق مومباي وفي سوق نيويورك للأسهم بنحو ثلاث مرات مما رفع القيمة السوقية للشركة إلى 20 مليار دولار.
ومع تحول “ويبرو” إلى لاعبة أساسية على مسرح الأعمال العالمي، يؤكد مسؤولو الشركة على أنهم سيسعون إلى توظيف أفضل العقول بصرف النظر عن الخلفيات الأثنية أو الدينية. ويشير هؤلاء إلى أن من بين الأسباب التي جعلت قلة من المسلمين الهنود يفون بمعايير التوظيف لدى “ويبرو” هو افتقارهم للتعليم باللغة الإنجليزية وكذلك ندرة الاختصاصات الهندسية في صفوفهم.

المصدر: الرأي