قصة نجاح كوكو شانيل

لم تكن كوكو شانيل متقدمة على زمنها فحسب بل كانت، حسب مجلة التايم الأمريكية، متقدمة على نفسها أيضا. فلو نظر أحد على أعمال أشهر مصممي الأزياء المعاصرين بضمنهم توم فورد وهيلموت لانغ وميوتشيا برادا وجيل سوندرز ودوناتيلا فيرساتشي، لرأى في العديد من إستراتيجياتهم صدى لما قامت به شانيل.
فالطريقة التي مزجت بها شانيل، قبل نحو 85 عاما، بين مفردات الملابس النسائية والرجالية لتخلق أزياء أتاحت للابسيها الشعور بالارتياح الخفي بدلا من التظاهر به هي مثال على كيفية تشابك ذوق شانيل وشعورها بالرقي مع أزياء اليوم.


تقول المجلة إن شانيل لم تعرف نفسها باعتبارها أنثوية، وفي الحقيقة كانت تتحدث دوما عن الأنوثة بدلا من الأنثوية، لكن أعمالها مثلت وبدون شك جزءا من تحرر المرأة. فقد مدت حبل النجاة إلى المرأة ليس مرة واحدة بل مرتين وذلك خلال مرحلتين منفصلتين تفصل بينهما عقود من الزمن، أي في العشرينات والخمسينات من القرن الماضي. إذ لم تقدم شانيل على استخدام الأزياء والمنسوجات والمواد التي كان يرتديها الرجال فحسب، بل وأيضا استخدمت، بدءا من نفسها، الملابس الرياضية باعتبارها جزءا مهما من لغة الأزياء.
يمكن للمرء أن يرى كيف انبثق أسلوب شانيل من الحاجة ولكنه نبع أيضا من التحدي. فلم تكن شانيل قادرة أن تحمل تكاليف شراء ملابس الموضة في ذلك الزمن، لذلك رفضت تلك الملابس وقامت بتصميم ملابسها الخاصة، مستخدمة الستر الرياضية والأربطة التي كانت تمثل الباس اليومي للرجال.


ليس من قبيل المصادفة إذن أن تصبح شانيل على علاقة وطيدة بالحركات الفنية الحديثة بضمنها حركات دايغيليف وبيكاسو وسترانسكي وكوكتيو. وشأنها شأن هؤلاء الفنانين، كانت شانيل عازمة على تحطيم الصيغ القديمة لكي تخترع أسلوبا تعبر من خلاله عن نفسها. فقد قال عنها كوكتيو في إحدى المرات “إنها عملت الأزياء، وبنوع من المعجزة، طبقا لقواعد يبدو أن لها قيمة عند الرسامين والموسيقيين والشعراء فقط”.
بحلول أواخر الستينات من القرن المنصرم، أصبحت شانيل جزءا مما أعلنت العصيان عليه في الماضي، ألا وهو مؤسسة الدولة. ولكن لو نظر أحد إلى فلم وثقائي عنها خلال تلك الفترة، فإن بإمكانه أن يبقى على شعوره بوجود ذلك الغضب والفورة لدى إمرأة فلاحة وقوية بدأت ثورتها في عالم الأزياء ضد المجتمع من خلال استهدافها للرأس أولا وعبر القبعات. فالقعبة الطفولية التي ابتدعتها كانت على تباين صارخ مع قبعات “بيل إيبوك” التي كانت تمثل الموظة آنذاك والتي سخرت منها شانيل بقولها “كيف يمكن للدماغ أن يعمل تحت تلك الأشياء؟”
يتجلى ذهن شانيل الحاذق في كل شيء قامت به، من استخدامها الذكي للشعار (Logo) إلى فهمها العميق لقوة الشخصية وإلى العبئة والتغليف، وحتى إلى أهمية استنساخ تصاميمها. وكانت لا تكل عن ترديد المقولات الشهيرة التي يجري اقتباسها من قبل أوساط متنوعة عديدة. فقد قالت مرة “إن الزي ليس مجرد ملبس، بل إنه في الهواء تحمله الريح. وبإمكان المرء أن يحدس وجوده، فهو في السماء وفي الطريق”.


ربما يتطايق الأمر مع شخصيتها نوعا ما من حيث أنه غالبا ما كان يجري تصويرها وهي تحمل بين أناملها سيجارة أو تقف أمام “آرت ديكو” أو جدار المرايا في منزلها. فالأزياء تميل لأن تنطوي على جرعة كبيرة من الدخان والمرايا، لذلك ليس من الغريب أن تكون نسخة شانيل من حياتها تنطوي على تنوع من الأكاذيب والإبداعات والتغطية وإعادة النظر. ولكن كما قالت وميوتشيا برادا إن شانيل “كانت عبقرية عن حق. ومن الصعب تحديد سبب ذلك، إلا أن للأمر شيء يتعلق برغبتها لأن تكون مختلفة ولرغبتها بأن تكون مستقلة”.
من المؤكد أن حياة شانيل قد سارت على غير ما يمكن التكهن به حتى من قبلها. فحتى وفاتها (في عام 1971 وبعمر ناهز الـ 87 عاما في جناحها بفندق ريتز الباريسي الشهير) مثلت نهاية مترفة لم تكن متوقعة لها من قبل راهبات دار أوبازين للأيتام التي قضت فيها شانيل وقتا بعد وفاة والدتها وتخلي والدها عنها.
ولا شك أن الراهبات في كنيسة مولينز بباريس اللائي أخذن شانيل عندما كانت في سن السابعة عشر قد أعربن عن دهشتهن عندما تخلت الفتاة الشابة عن وظيفة الخياطة التي ساعدنها على إتقانها لتصبح مغنية في أحد الملاهي الليلية.
قادتها مهنتها الجديدة لكي تصبح عشيقة أخرى من عشيقات إيتيان بولسان، الشاب الغني اللعوب الذي نهض بمهمة تمويل إنتقالها إلى باريس وافتتاحها لأول أعمالها في مجال تصميم وخياطة القبعات.


هذا العمل مهد الطريق لصفقة أكبر وأفضل في حياتها عندما انتقلت شانيل في علاقتها الغرامية إلى آرثر كيبيل، صديق بولسان، والذي قيل أنه كان حبيب عمرها والذي دعم توسع أعمالها من القبعات إلى الملابس من باريس إلى المنتجعات الفرنسية الساحلية.
أحد نجاحات شانيل المبكرة تمثل في الكنزة الواسعة التي ربطت حولها حزام وصاحبتها بتنورة. كانت تلك الانتصارات المبكرة شبيهة بالملابس التي كانت تعملها لنفسها، من حيث أنها كانت ملابس نسائية مصنوعة من جميع المواد الرجالية مثل الجيرسي الذي كان مرتبطا بملابس الرجال الداخلية.
استمر نجاح وتقدم شانيل على جميع الأصعدة، الاجتماعية والجنسية والمهنية، طوال العشرينات من القرن الماضي لتزداد شهرتها وتضعها في مصاف الأساطير. وبحلول أوائل الثلاثينات وصلت سمعة شانيل إلى هوليوود التي بدأت بمغازلتها، لتذهب إلى هناك وتعود إلى باريس مرة أخرى. اقتربت شانيل بعد ذلك من الزواج من أغنى رجل في أوروبا آنذاك، وهو دوق ويستمنستر. ولكن تفسيرها لفشل مشروع الزواج أعربت عنه بما يلي: هناك عدة دوقات لويستمنستر، ولكن هناك شانيل واحدة”.
في الواقع لم تكن هناك كوكو شانيل واحدة بل هناك العديد منها بقدر أعمالها المبدعة وأساليبها المبتكرة مثل التنورات الغجرية والمجوهرات الإصطناعية الكثيرة واللباس الليلي اللامع.


غير أن العنصر الوحيد الذي أمن لشانيل دخول التاريخ من أوسع أبوابه، حتى في الأوقات التي واجهت فيه الفشل والنسيان، لا يتمثل في قطعة من الملابس بل في سائل ذهبي أطلق عليه اسم شانيل رقم 5 الذي جرى تدشينه في عام 1923 والذي مثل أول عطر يحمل اسم هذه المصممة الشهيرة.
يشير المتتبعون لحياة شانيل إلى أن إنتاج العطور قد حافظ على اسم شانيل طوال العقود حتى عندما تدهورت سمعتها أثناء الحرب العالمية الثانية عندما ظهر أن لديها مشاعر عداء للسامية وللمثليين الجنسيين رغم الإشاعات التي تحدث عن كونها تميل إلى الجنسين.
استجابت شانيل للحرب بغلق أعمالها في مجال الأزياء وإقامة علاقة مع هانز غونثر فون دينكلاغ، الضابط النازي الذي تضمنت أفضاله عليها السماح لها بالإقامة في فندق ريتز. بعد ذلك بسنوات، وتحديدا في عام 1954 عندما قررت العودة إلى عالم التصميم كان اسم شانيل يثير لدى البعض شيء من الكره والامتعاض.
اعتمادا على بعض المصادر فإن عودة شانيل إلى الأزياء ترجع لأسباب عديدة أهمها الفشل الذي واجهته مبيعات العطور، واستيائها مما كانت تراه في تصاميم ذلك الوقت، وكذلك الملل الذي اصابها.


وجميع هذه الأسباب تبدو معقولة مثلما تبدو معقولة نظرية كارل لاجيرفيد بشأن أسباب النجاح الكاسح الذي حققته البدلة النسائية التي صممتها  كوكو شانيل. إذ يشير لاجيرفيد الذي يقوم الآن بتصميم أزياء شانيل والذي إليه يرجع الفضل في تحويل اسم شانيل إلى شركة أكبر وأكثر انسجاما مع عالم الأعمال من أي وقت مضى، إلى أنه “بحلول الخمسينات كان لدى شانيل ميزة وفائدة الابتعاد مما مكنها من تنقية مظهر شانيل”.
في أوروبا نظر البعض إلى عودتها باعتبارها محاولة يائسة لن يكتب لها النجاح، وفي الولايات المتحدة لم يتجه الأمريكيون إلى شراء ملابسها بما يكفي من السرعة. ولكن بحلول عام 1969 أصبح اسم شانيل الأكثر انتشارا في العالم حتى كان يكفي لفظ اسمها الأول، كوكو، لينتقل المرء مباشرة في ذهنه إلى الثورة في عالم الأزياء التي غيرت مظهر المرأة في العالم.