قصة نجاح جيري فورد مع القهوة

يبدو جيري فورد ولأول وهلة بأنه ليس من النوع الذي بإمكانه أن ينجح في إطلاق سلسة من محلات بيع القهوة الإيطالية وفي إثارة الرعب لدى شركة “ستارباكس” في بريطانيا وفي مختلف أنحاء العالم. فهو ليس بالإيطالي ولا بالبريطاني. والأكثر من ذلك أنه أنفق الجزء الأكبر من سنوات تعليمه في دراسة موضوع السياسة الخارجية استعدادا لأن يحتل وظيفة مرموقة في الجهاز البيروقراطي.


إذ أن فورد رجل أمريكي، نشأ وترعرع في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا والمعروف بنشوء شركات مبتدئة تحولت خلال سنوات إلى شركات عملاقة تحمل اسماء مثل “آبل” و “هيوليت-باكارد”. حتى الحديقة التي كان يحبذ أن يقضي أوقاته فيها راكبا دراجته الهوائية عندما كانت طفلا صغيرا تحولت الآن إلى مكان يضم المقر الرئيسي لشركة “إي بي” العملاقة للتجارة عبر شبكة الإنترنت.


غير أن فورد يؤكد على أن ثقافة ريادة الاعمال المشاريعية (entrepreneurial) السائدة في وادي السيليكون هي التي تقف وراء إقدامه على تأسيس مجال عمل خاص وعلى توسيع هذا العمل الذي يحمل اسم “كافي نيرو” من مجرد مقهى واحدة ومنعزلة تقع في حي ساوث كينزينغتون الراقي في العاصمة البريطانية لندن إلى سلسلة عالمية شهيرة تتألف من أكثر من 400 منفذا تنتشر في أنحاء مختلفة من العالم وذلك خلال فترة لم تتجاوز العشر سنوات.


وعن ذلك يقول فورد أثناء حديث أجرته معه صحية “ذي نشاشونال” الإماراتية في مقهى تابع للسلسلة يقع في مجمع “دبي مول” بدبي “يحلم المرء بأن يؤسس عملا له. وفي الواقع أن كل فرد يريد أن يقوم بما يحب القيام به وأن يؤسس لنفسه أسما. إن الأمر صعب على الشرح، لكن المكان الذي نشأت به يمكن اعتباره الأكثر تشجيعا لروح ريادة الأعمال. فقد شعرت منذ البداية بأن لدي رغبة بالقيام بشيء يغير العالم”.
وبلباسه المتكون من بدلة وقميص أبيض بدون رباط، يحرص فورد على الظهور بمظهر غير رسمي ولكن بشكل متحفظ. وثمة القليل مما يشير إلى أنه يحتل منصب القمة في ثاني أسرع سلسلة عالمية لمحلات بيع القهوة في العالم يصل عدد العاملين فيها إلى نحو 3 آلاف موظف.


يحاول فورد الذي تبدو عليه علامات الود والتحفظ في نفس الوقت تجنب الإجابة على الأسئلة المتعلقة بعمره، الذي يقدر بأوائل الخمسينيات، وبحالته الاجتماعية. إذ يرد على مثل هذه الأسئلة بالقول “أود عدم الإجابة” ليحول الحديث مجددا عن القهوة. ويرتدي العاملون في المحل الذين يقومون بعمل القهوة قمصانا رياضية مكتوبا عليها أن كافي نيرو “تقدم أفضل أنواع قوة الاسبريسو” وهو قول مقتبس مما كتبته إحدى المجلات البريطانية الشهيرة.
في عام 2008 حيث تتوفر آخر الأرقام الخاصة بعمليات سلسلة “كافي نيرو”، حققت السلسلة مبيعات قيمتها 129.3 جنيه إسترليني (755.1 مليون درهم). وحتى في ذروة الركود الاقتصادي، شهدت مبيعات الشركة نموا رغم كونه قد اتسم بالتواضع.
غير أن الدافع الحقيقي الذي يقف وراء إقدام فورد على تأسيس هذه السلسلة كان دافعا شخصيا. فقد استمر بالعمل في لندن بعد أن أنهى دراسته للحصول على شهادة الدكتوراه في السياسة الخارجية من جامعة أوكسفور، وقد أراد أن يجد مكانا له يجلس فيه لاحتساء القهوة مع أصداقائه. فلم يكن لديه أي اهتمام بالحانات بل أراد شيئا بديلا عنها.


عن ذلك يقول “عندما دخلت المملكة المتحدة لأول مرة، تساءلت مستغربا عن أسباب عدم وجود مجتمع للمقاهي في هذه البلاد. كما تساءلت عن أسباب عدم ازدهار هذا المجتمع الذي يشهد نموا كبيرا في جميع البلدان الآخرى. وسبب استغرابي يعود إلى وجود أعداد كبيرة من الأجانب ومن كل البلدان. لم أكن من محبي شرب الكحول أو احتساء البيرة. فغالبا ما أقضي أوقاتي مع الأصدقاء في المقاهي. لذلك فإن الأمر بالنسبة لي كان شخصيا بالدرجة الأولى”.
عندما بدأ فورد حياته العملية، بدا الأمر وكأنه متجها في طريق التكنولوجيا. ففي أوائل عقد الثمانينات، عمل فورد الذي يحمل أيضا شهادة الماستر في إدارة الأعمال من معهد “إنسياد” الفرنسي” في شركة “هيوليت-باكارد” المصنعة لأجهزة الكمبيوتر، وهي خبرة أضفت سمة على أعماله المقبلة”. إذ يقول “إن جزءا كبيرا من ثقافتي وممارساتي في مجال الأعمال جاءت من السيدين بيل هيوليت وديف باكارد اللذين اعتبرهما نموذجين حقيقين لي”.
في أواخر عقد الثمانينات، انتقل فورد إلى شركة “أباكس بارتنرز”، وهي شركة متخصصة في الاستثمار المالي تتخذ من لندن مقرا لها، وذلك قبل أن يبدأ في عام 1993 بتأسيس شركة خاصة به تعمل في نفس المجال وتحمل اسم “بالادين أسوشييتس”.


ولكن حتى في هذه المرحلة كان واضحا أين يكمن الاهتمام الحقيقي لفورد. وعن ذلك يقول “كان هناك الكثير ممن يعملون في مجال الاستثمار المالي وفي الاستثمار بالحصص في مجالات البرامج الكمبيوترية والطب، وقد عملت في ذلك المجال في سنواتي المبكرة. إلا إنني كنت أجد ميلا طبيعيا وأكبر لدي نحو جانب السلع الاستهلاكية. وأعتقد أن المرء يذهب إإلى أين يجد ميلا عاطفيا وطبيعيا”.


أخيرا وفي عام 1996 ذهب فورد إلى زملائه في شركة “بالادين” بفكرة أعمال تجارية. فقد اقدم على إعداد خطة العمل لتأسيس سلسلة من المقاهي لم يسميها بعد ليحظى باستقبال إيجابي من قبل أصدقائه لتلك الخطة. فقد أتفقوا على تمويل سلسلة المقاهي وعلى أن ينهض فورد بمسؤولية إدارتها.
لقد استهدف فورد تقليد المقاهي الموجودة في إيطاليا حيث كان يحتسي قهوة الإسبريسو ولكن بتفصيل خاص يناسب السوق البريطانية. إذ أراد أن يتسوق للحصول على أفضل أنواع القهوة وعلى أفضل أنواع المأكولات الإيطالية المخصصة لوجبات الفطور والغذاء إلى جانب الحلوى والمعجنات.

قام فورد بزيارة العديد من المقاهي سائلا أصحابها والقائمين عليها عن بعض النصائح. وبعد أن طاف مدينة لندن، عثر على اسم المخزن وعلى موقعه الأول، وهو يبعد مسافة لا تتجاوز الكيلومتر الواحد عن مسكنه في منطقة ساوث كينزينغتون. سمى المقهى باسم “كافي نيرو” إلا أنها كانت أقل جاذبية وجمالا من سلسلة المقاهي التي يديرها الآن فورد. فقد كانت المقهى الأولى عبارة عن مطعما للبيتزا يدار من قبل عائلة ويقع بعيدا عن أنواع المطاعم التي كان فورد يريد أن يفتتحها. إلا أنه أحب الأسم. إذ تعني كلمتي “كافي نيور” الإيطاليتين القهوة السوداء.


يقول فورد “إن ماكنا نريد أن نحصل عليه هو شيء بسيط عبارة عن اسم إيطالي يوحي بما نقوم به. واعتقد بِأن اسم كافي نيرو يوحي بالشيء الكثير”.
بدأت مقهى “كافي نيرو” في عام 1997 بتقديم القهوة بالحليب وبعدد من العاملين لم يتجاوز الثلاثة بضمنهم السيد فورد نفسه. وفي ذلك الحين كانت ثقافة القهوة في بريطانيا قد بدأت لتوها بالظهور”.


يقول فورد “بالنسبة إلى محلات القهوة الإيطالية الممتازة وعلى الطراز الأوروبي، لم يكن هناك الكثير منها في بريطانيا في ذلك الوقت. ففي حين كانت هناك مقاهي كوستا، إلا أن ستارباكس لم تأت بعد إلى بريطانيا ولم تكن هناك الكثير من العلامات. ولكن خلال ثلاث سنوات أصبحت هناك العشرات”.
أقدم فورد على افتتاح سبعة مقاهي اخرى خلال العامين التاليين لعام 1997. وقد قام بتحسين وتجميل فكرة المقهى مع مرور الوقت، بضمن ذلك تجريب طاولات عالية يشيع استخدامها في إيطاليا. وبعد مضي 18 شهرا تقريبا من التجربة والخطأ، أصبحت السلسة تعتمد اليوم على النسخة الثامنة من “كافي نيرو”.


نجحت المحلات الأولى بمعادلة الأرباح بالتكاليف. وبعد أن استشعر إمكانية النجاح، أقدم فورد على تبني استراتيجية تقوم على التوسع السريع. ففي عام 1999 تم افتتاح أولى مقاهي “كافي نيرو” خارج لندن. وبحلول العام 2000 أصبحت السلسة تتألف من 31 مقهى.
في مارس 2001 تم تعويم اسهم سلسلة “كافي نيرو” عبر عملية إدراج ناجحة انطوت على بيع 18 مليون سهما عاديا جديدا في سوق لندن للأوراق المالية وبسعر يبلغ 0.5 بنس للسهم الواحد، الأمر الذي ساعد الشركة على الحصول على 9 ملايين جنيه إسترليني، لترتفع قيمة الشركة السوقية إلى 33.7 مليون جنيه إسترليني. وقد تم تخصيص الأموال المتأتية من عملية طرح الأسهم لتمويل عملية التوسع.
أقدمت الشركة في عام 2001 على الاستحواذ على سلسلة محلات “أروما” للقهوة من شركة “ماكدونالد”، مما جعل من شركة “كافي نيرو” أكبر سلسلة مستقلة للقهوة في المملكة المتحدة.


في عام 2005 جنى فورد ثمار إنجازاته عندما تمت تسميته من قبل صحيفة الفاينانشيال تايمز رجل الأعمال المشاريعي الرائد لذلك العام.
ولكن بحلول عام 2006 بدأ فورد يشعر بأن خطته الطموحة تواجه العراقيل الناجمة عن وضع شركة “كافي نيرو” باعتبارها شركة مساهمة عامة. فقد نشبت خلافات فيما بين مساهمي الشركة حول ما إذا يتعين توسيع أنشطة “كافي نيرو” على المستوى الدولي.

وعن ذلك يقول فورد “تعرضت الروح المشاريعية إلى الخطر. فقد باتت الإدارة العليا، بضمنها أنا، أقل ميلا نحو إدارة شركة مساهمة عامة. والمشكلة تكمن في أن بعض المساهمين كانوا يتصارعون مع البعض الآخر من المساهمين الذين يقفون ضد التوسع على الصعيد الدولي. كنت أقف في الوسط وبالتالي لم يكن بإمكاني الفوز. فالمرء لا يمكنه الفوز إذا كان لديه عدد كبير من المساهمين المتنازعين فيما بينهم بحدة. لذلك رأيت بأنه من غير المجدي بالنسبة لي الاستمرار”.

بسبب ذلك، أقدم فورد على قيادة حملة تستهدف إخراج الشركة من سوق الأسهم والعودة بها باعتبارها شركة خاصة.
يقول فورد “إن العديد من الناس يقدمون على إخراج شركاتهم من سوق الأسهم عندما تهبط قيمة أسهم الشركة أو عندما تواجه الشركة مشكلة مستعصية. إلا إننا أقدمنا على إخراج كافي نيرو عندما درت قيمة كبيرة على المساهمين وعندما بلغت قيمة أسهمها خمس مرات ونصف ما كانت عليه قبل ست سنوات. فقد قلنا حققنا أرباحا لللمساهمين والآن نريد أن ندير الشركة بطريقة مشاريعية وبمساعدة إناس مؤمنين بأهداف الشركة”.


في عام 2007 تم استكمال عملية تحويل الشركة إلى شركة خاصة من جديد. وبعد فترة قصيرة من ذلك مضى فورد بمشروعه الرامي إلى تحويل الشركة إلى شركة عالمية. وقد بدأت أولا وفي عام 2008 بفتح منافذ لها في تركيا وبعد ذلك بعام بفتح فروع لها في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أصبح لديها الآن سبعة منافذ في الإمارات تتوزع في دبي وأبوظبي ومدينة العين.


يقول فورد إن منافذ الشركة في الإمارات تعمل بشكل جيد ولكن من دون أن تبدأ بعد بتحقيق الأرباح. ويضيف قائلا “حققت فروع الشركة في الإمارات بداية جيدة. ولكن من السابق لأوانه الحديث بشكل مؤكد عن حظوظ هذه المنافذ. إذ لا استطيع القول إن أداء هذه المنافذ مثير للإعجاب ولا أقول أنه أداء سيء. إلا أن الأمور تسير على ما يرام”.


ويتطلع فورد الآن إلى بلدان أخرى في منطقة الخليج لافتتاح منافذ لشركته فيها بالتعاون مع مجموعة الطاير الإمارتية الشريك الرئيسي للشركة في الإمارات. ومن بين الأهداف الأولى للشركة قطر والبحرين، مع إمكانية التوسع في جميع دول مجلس التعاون الخليجي في المدى الطويل.
وعلى الرغم من الركود الاقتصادي العالمي إلا أن شركة “كافي نيرو” لم تقدم على إغلاق أي من المنافذ العائدة لها. على العكس من ذلك استمرت بفتح منافذ جديدة ولو بوتيرة أبطأ من السابق. ويعتزم فورد افتتاح 35 منفذا خلال السنة المالية الحالية المنتهية في مايو، بانخفاض عن متوسط 50 منفذا تم افتتاحها سنويا خلال السنوات السابقة.
وتتضمن الأسواق الرئيسية الاخرى لشركة “كافي نيرو” أوروبا الشرقية والصين وأمريكا الشمالية.


وما يزال فورد يخطط للقيام بعملية توسع كبيرة داخل السوق الإماراتية حيث يتطلع إلى زيادة عدد منافذ الشركة إلى 50 منفذا بحلول العام 2014.
ويعترف فورد بأن سوق القهوة في الإمارات مزدحمة بعلامات تتدرج من “كاريبو كوفي” إلى “باريستا” و “سكند كاب”، لكنه يقول إن ذلك لن يردعه عن التوسع في تلك السوق. ويضيف “إن الإمارات تتقبل العلامات الاستهلاكية. وما عليك إلا أن تتمشى في مجمع دبي مول لترى بأن كل علامة من علامات محلات القهوة موجودة في هذه البلاد. كما أن ثقافة القهوة قوية ومتجذرة وتشهد الانتشار”.

جيري فورد في سطور

  • العمر: في الخمسينيات
  • الحالة الاجتماعية: غير معروفة
  • في عام 1981 تخرج من جامعة ستانفورد الأمريكية حاملا شهادة البكالوريوس في الآداب
  • في عام 1984 أكمل شهادة الماستر في إدارة الأعمال من معهد إنسياد
  • عمل في أواخر الثمانينات في شركة “هيليت باكارد”
  • عمل في أواخر الثمانينات في شركة “أباكس بارتنرز” لإدارة الاموال ومقرها لندن
  • في عام 1991 حصل على شهادة الدكتوراه في السياسة الخارجة من جامعة أوكسفورد
  • في عام 1993 أسس شركة لإدارة الأموال خاصة به واسمها “بالادين أسوشييتس”
  • في عام 1997 افتتح أول مقهى باسم “كافي نيرو” في منطقة ساوث كينزينغتون وسط لندن
  • في عام 2001 أصبحت شركة “كافي نيرو” شركة مساهمة يتم تداول اسهمها في بورصة لندن
  • في عام 2007 عادت الشركة لتصبح شركة خاصة ضمن عملية تحول قادها فورد
  • في عام 2008 افتتحت “كافي نيرو” أول منفذ دولي لها بتركيا
  • في عام 2009 افتتحت “كافي نيرو” أول منفذ لها في دولة الإمارات العربية المتحدة