هارلاند ساندرز مؤسس مطاعم كنتاكي

فى عمر الستين يمكن للإنسان أن يحقق النجاح أيضا»، خصوصاً إذا توفر له عاملان، الطموح لحياة كريمة والقدرة على الإبداع. هذه هي العبرة التي يمكن استنتاجها من قصة نجاح بدأت من محطة وقود على طريق السفر في ولاية أميركية لتتحول إلى إحدى أشهر العلامات في عالم الوجبات السريعة. فهذه العلامة، التي تحمل صورة مبتكرها الرجل ذو اللحية البيضاء، لا تزال حتى اليوم «مادة دسمة» في عالم الطبخ لاكتشاف سر النكهة السحرية التي تتفرد بها عن غيرها، والتي لا يعرفها حتى يومنا هذا سوى عدد قليل من الأشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد. إنها كنتاكي فرايد تشيكن أو كي أف سي (KFC) علامة الدجاج المقلي الأولى والأوسع انتشارا في العالم، حيث بلغ عدد فروعها نحو 13 ألف فرع يقدم خدمة الطعام السريع لأكثر من 8 ملايين شخص حول العالم يومياً.
بيع امتيازها في عام 1964 بمبلغ مليوني دولار وراتب شهري مدى الحياة قدره 40 ألف دولار. ثم انضمت مؤخراً إلى مجموعة «يام براندز» التي تملكها شركة بيبسيكو العالمية والتي تضم بيتزا هات وتاكو بل ولونغ جون سيلفرز وهارديز. وهي لا تزال تتصدر القائمة بتحقيقها أعلى نسبة مبيعات تتخطى 12 مليار دولار سنويا. فما هي قصة إمبراطورية الدجاج المقلي هذه؟

في عام 1930، كان هارلند ساندرز يعمل في محطة للوقود على الطريق السريع المؤدي إلى ولاية كنتاكي الأميركية. وقد لاحظ أن هناك عددا كبيرا من المسافرين يسألون عن مطاعم قريبة تقدم وجبات سريعة. فخطرت ببال الرجل فكرة تحضير وجبات الدجاج المقلي في مطبخ المحطة وبيعها للزبائن مع سلطة الخضار. وكان ساندرز يقول: «أفضل ما فعلته في حياتي هو تعلم الطبخ، وإذا بعت ما أطبخ فإن طعمه لن يكون أسوأ من المأكولات التي تقدم في المطاعم الأميركية». وبالفعل، لاقت فكرته نجاحاً كبيراً واستحساناً من الناس دفعته إلى افتتاح مطعم صغير إلى جانب المحطة أطلق عليه اسم «ساندرز كورت أند كافيه» ثم ما لبث أن حول المحطة إلى مطعم يستوعب 142 شخصاً.
وتقديراً لجهوده في عالم المأكولات وإنجازاته التي قدمها لولاية كنتاكي، منحه حاكم الولاية لقب كولونيل. بعدها دخل اسم «ساندرز كورت أند كافيه» في قائمة أفضل المطاعم التي تقدم خدمة الأكل السريع خلال السفر. وكان ساندرز استفاد من ظهور طنجرة الضغط التي تطهو الدجاج في وقت سريع دون الحاجة إلى الزيوت المضرة بالصحة. وكان يقدم وجباته طازجة مما أكسبه ثقة وشهرة واسعة.

سحرية وسرية

بدأ ساندرز يفكر في طريقة تجعل من المنتج الذي يقدمه لزبائنه ليس مجرد دجاج مقلي كلاسيكي يشبه كل الدجاج المقدم في المطاعم الأخرى. فكان يقضي أوقاته في تحضير خلطات من التوابل حتى توصل عام 1940 إلى الخلطة السحرية المكونة من 11 نوعاً من التوابل والبهارات والأعشاب الطبيعية. ولا تزال هذه الخلطة حتى اليوم سراً غامضاً يعجز الكثيرون عن تقليدها ولا يعرفها في العالم سوى عدد من الأشخاص لا يتعدى أصابع اليد ملزمين بموجب عقد قانوني بعدم تسريب المعلومة التي يقدر ثمنها بملايين الدولارات تحت طائلة المسؤولية. ويقال ان سر الخلطة مكتوب بخط هارلند ساندرز ومدفون في قبو منزل في لويز فيل في ولاية كنتاكي. ويقول القيمون على كنتاكي اليوم ان الوصفة السرية هي بمنزلة الكأس المقدسة وان العثور عليها هو أمر في غاية الخطورة. وقال ساندرز أنه عاش أياماً صعبة كان يخلط فيها الأعشاب والتوابل، كما يخلط الأسمنت في ورش البناء، وكانت تساعده زوجته في تعبئة العلب وتخزينها وتوصيلها.

أزمة غيرت المسار

في عام 1953، عُرض على ساندرز مبلغ 164 ألف دولار لبيع مطعمه على طريق كنتاكي، لكنه رفض ذلك باعتبار أن الموقع يساوي الكثير. لكن بعد عامين تعرضت طموحاته لنكسة، حيث تم تغيير خرائط الطرق وتحولت الطريق السريع إلى طريق فرعي، مما اضطر ساندرز إلى بيع مطعمه بمبلغ 75 ألف دولار. وقرر أن يعيش بقية حياته من راتب الضمان الذي كان يبلغ 105 دولارات شهرياً. لكن ساندرز ابن الستين عاماً رفض الاستسلام فجاب الولايات المتحدة محاولاً بيع حقوق استثمار طريقته في صنع الدجاج وبعد أن رفض نحو 1000 مطعم العرض، وجد المطعم الذي ابرم معه أول صفقة وفق نظام التوكيل التجاري أو «فرانشايز» تحت اسم كنتاكي فرايد تشيكن التي كان مختصرها KFC. وكان ساندرز يأخذ عمولة قدرها خمسة سنتات مقابل كل قطعة دجاج يتم بيعها في المطاعم التي تعاقد معها. وحققت هذه الطريقة من التوسع نجاحاً هائلاً لساندرز دون أن يتكبد أي تكاليف أو مخاطر تذكر مع احتفاظه بسر خلطته السرية العظيمة. وأخذ ساندرز يتوسع ببيع الامتياز حتى بلغ عدد فروع دجاج كنتاكي في بداية الستينات 600 فرع منتشرة في الولايات المتحدة وكندا.

اقرأ ايضاً:   قصة نجاح ريني جودفروي

رحلة العالمية

في نهاية عام 1964، وبعد انتشار مطاعم كنتاكي بشكل كبير وعدم قدرة ساندرز على تحمل إدارة السلسلة بسبب كبر سنه ومرضه، قرر بيع أعماله وحقوق الامتياز نهائياً إلى شخص يدعى جون براون جونيور والمليونير جاك ماس مقابل مبلغ 2 مليون دولار وراتب شهري مدى الحياة قدرة 40 ألف دولار ومقعد في مجلس الإدارة يبقيه الناطق الرسمي باسم كنتاكي.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت كنتاكي مشوار الشهرة العالمية. فأدرجت الشركة في بورصة نيويورك وبدأت تتوسع في عدد الفروع في انحاء العالم والتي وصلت في عام 1971 الى 3500 فرع. الأمر الذي جعلها هدفاً للاستحواذ من قبل شركة هيوبلن التي عملت على نشر الطعم اللذيذ لدجاج كنتاكي في 6000 فرع منتشرة في العالم وفق نظام الفرانشايز، ووصلت مبيعاتها إلى ما يفوق 2.7 مليار قطعة دجاج، تتخطى إيراداتها 2 مليار دولار. كان هذا الأمر بمنزلة تكريم لهارلند ساندرز الرجل العجوز الذي أصبح اسمه أسطورة في عالم الصناعات الغذائية قبل وفاته في 16 ديسمبر 1980.

مصدر ثروة

جعلت كنتاكي أصحاب المطاعم الذين حصلوا على امتيازها من أصحاب الثروات في وقت قصير جداً نظراً للإقبال الشديد من الناس عليها. فكان الناس في المطاعم يقفون في طوابير للحصول على وجبة الدجاج الشهية. وفي عام 1983، استحوذت شركة رينولدز، التي غيرت اسمها فيما بعد، على شركة هيوبلن التي تضم كنتاكي. وكان لدى رينولدز رؤية توسعية خصوصاً على صعيد رأس المال والانتشار. وارتفعت مبيعات كنتاكي بفضل هذه الرؤية إلى 2،5 مليار دولار سنوياً. هذا الأمر جعل من العلامة صفقة مغرية لشركة بيبسيكو العالمية التي دفعت مبلغ 840 مليون دولار لشرائها في عام 1986. وفي عام 1990، بدأت بيبسيكو تطبق عملية تصغير وترشيد النفقات الكبيرة: فقامت بضم مطاعم كنتاكي إلى شركة جديدة أنشأتها لإدارة سلاسل مطاعم الوجبات السريعة التي تمتلكها تحت اسم «يام براندز» وهي الشركة الأم أو القابضة التي تملك الآن ،إلى جانب دجاج كنتاكي، مطاعم مثل بيتزا هات وهارديز وغيرهما. وفي أواخر التسعينات تغير اسم مطاعم كنتاكي من «دجاج كنتاكي المقلي» إلى KFC . وكان هدف شركة يام براندز من تغيير الاسم على هذا النحو هو التركيز على تنامي الوعي الصحي لدى العملاء وعدم رغبتهم بالتالي في تناول أطعمة مقلية في الزيت عالي الكولسترول أو على الأقل عدم رغبتهم في رؤية كلمة «مقلي» في اسم سلسلة الوجبات السريعة التي يتعاملون معها.
وفي عام 2007، بلغ عدد مطاعم كنتاكي أكثر من 13 ألف مطعم منتشر في نحو 90 دولة ويقدم خدمة الدجاج المقلي اللذيذ لأكثر من ثمانية ملايين شخص يومياً مع مبيعات سنوية تفوق 12 مليار دولار. وحسب آخر الإحصائيات التي أجرتها شركة «يام براندز» تظهر أن كنتاكي هي الأولى بين قائمة الوجبات السريعة التي تضم عددا من العلامات التجارية الغذائية.

اقرأ ايضاً:   هل انت مخْزن أفكار؟

أبو النجاح

وُلد هارلند ساندرز في مقاطعة هينرفيل في ولاية إنديانا الأميركية. وقد عمل على مدى سنوات عمره في وظائف عدة وصناعات مختلفة. وهو في سن العاشرة عمل طباخاً في مزرعة بأجر شهري يعادل دولارين ثم عمل كقاطع تذاكر على أحد باصات النقل ثم جنديا لمدة ستة أشهر في كوبا ثم اطفائياً في السكك الحديدية. درس القانون بالمراسلة وعمل في القضاء وأدار شركة عبارات نهرية كما عمل في مجال التأمين وبيع الإطارات، ثم أدار محطات استراحات الركاب على الطرق. وبعد ان بلغ الأربعين راح يعد وجبات للمسافرين على الطرق في محطات الاستراحة وقد طور ساندرز فكرة قطع الدجاج المقلي الشهيرة في عام 1930. وأنشأ مطعماً ليبيع فيه قطع الدجاج المقلية داخل محطة وقود كان يمتلكها في مقاطعة نورث كوربين بولاية كنتاكي الزراعية. كان ينام في السيارة ويحلق ذقنه في الحمامات العامة لتوفير المال. كما كان يردد دائماً عبارة «يجب أن تنجح». توفي في عام 1980 لكن صورته عرفها أطفال القرن الحادي والعشرين وخلطته السحرية لا تزال المذاق المفضل لملايين الناس حول العالم.

نحو الصين

دخلت كنتاكي إلى السوق الصيني في بداية التسعينات. ونجحت في كسب جمهور واسع من الشعب الصيني الذي أصبح يرتاد المطاعم بكثرة ليحصل على الطعم الرائع. وأصبحت كنتاكي في الصين الأسرع نمواً في عدد المطاعم وفي نسبة الإيرادات. حيث بلغ عدد فروع كنتاكي في العام 2007 في الصين وحدها ألف فرع. وهي تشتري موادها الأولية من الدجاج والخضراوات من الإنتاج المحلي الصيني بملايين الدولارات. ولديها شبكة تموين تضم أكثر من 480 مؤسسة صينية. وتحقق كنتاكي الصين نمواً في المبيعات تبلغ نسبتها 28 في المائة من إجمالي مبيعات كنتاكي في العالم. وفي اليابان تعتبر وجبة كنتاكي الطبق الشعبي المفضل لدى الأسر اليابانية خصوصاً في أسبوع عيد الميلاد.

خطة التسويق الناجحة

اعتمدت كنتاكي منذ انطلاقها على خطة تسويق ناجحة وضعها هارلند ساندرز الذي كان يجوب العالم لتسويق فكرته وخلطته العظيمة. وكان ساندرز قد ظهر في الحملات الإعلانية شخصياً وهو يتلذذ بقطع الدجاج المقلي. وأصبحت صورة ساندرز الرجل الستيني ذو اللحية البيضاء رمزاً لكنتاكي، لاتزال تلفت أنظار الناس وتثير شهيتهم بعد أكثر من نصف قرن. وقد وصف ساندرز في صحف الاقتصاد العالمية برجل العلاقات العامة الأول في العالم لتحقيقه النجاح في تسويق فكرته وعلامته KFC.

محطات في مسيرة الشركة

• 1930 هارلند ساندرز يؤسس مطعم ومقهى على طريق كنتاكي.
• 1940 ولادة الخلطة السحرية العظيمة التي بقيت سرا حتى اليوم.
• 1955 ساندرز يبدأ ببيع الامتياز على طريقة الفرانشايز.
• 1979 كنتاكي تبيع أكثر من 2،7 مليار قطعة دجاج في 6000 فرع.
• 2007 بلغ عدد فروع كنتاكي أكثر من 12 ألفاً وتقدم خدمة لأكثر من 8 ملايين شخص يومياً.

باميلا أندرسون وحقوق الدجاج

قامت الممثلة باميلا أندرسون بحملة مقاطعة لدجاج كنتاكي بعد أن اتهمتها بمعاملة الدجاج بطريقة سيئة ومن دون رحمة خلال عملية الذبح. وقالت أندرسون أن العمال في كنتاكي يعذبون الدجاج قبل ذبحه. وطالبت بصفتها عضوا في جمعية حقوق الحيوان بمعاقبة كنتاكي ومقاطعة مطاعمها. كما طالبت بإزالة النصب التذكاري للكولونيل هارلند ساندرز عن مدخل ولاية كنتاكي. ولكن حاكم الولاية رفض طلبها لأنه يشكل مساسا بشخصية صنعت مجد للولاية. من جهة أخرى طلبت شركة كنتاكي من أندرسون وقف حملات التشهير بالعلامة وأكدت على التزامها الأخلاقيات في طريقة ذبح الدجاج. كما أطلقت كنتاكي حملة ترويجية جديدة تحت شعار «نصنع الدجاج بطريقة صحيحة». وأطلقت أيضاً مجموعة منتجات جديدة من بينها ساندويش السمك المقلي والدجاج المشوي الذي ستطرحه كغذاء قليل الدسم وصحي خالٍ من الزيوت والدهون.

6 رأي حول “هارلاند ساندرز مؤسس مطاعم كنتاكي”

  1. كما يقال .. النجاح لا يعرف عمراً , بالجهد والعزيمة والاصرار والايمان بما تفعله تحول الرجل العجوز وبضعة دولارات إلى امبراطورية عريقة مترامية الاطراف .. مع اني لا احب طعم دجاج الكنتاكي إلا أن اسلوب عملهم يعجبني

  2. فعلا

    ليس للنجاح عمر

    وعموما مفتاح النجاح يكمن في شيئين مهمين : الرعبة في الوصول ، الارادة مهما كانت الظروف صعبة .. هذه خلاصة تجربتي مع النجاح

    تحياتي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *