قصة نجاح فيليب كان

تعتمد نظرية النجاح في دنيا الأعمال على المجيء بفكرة عبقرية لامعة، لم يسبقك إليها أحد من قبلك، ثم تضع خطة عمل محكمة قابلة للتحقيق، ثم تبحث عن الممولين وتضع نسبة تقسيم عادلة للأرباح والخسائر، ثم تتوكل على الله وتجتهد.

هذه نظرية أكاديمية بحتة، وهي وإن تحققت في كثير من الأحيان، لكن لكل نظرية شواذها، واليوم نتناول هذا الأمر من خلال قصة الفرنسي فيليب كان المولود في 16 مارس 1952، العبقري السابق لأوانه الذي أبدع فأشهر شركة بورلاند لبرامج الحواسيب، تلك الشركة التي خرج الرعيل الأول من المبرمجين العرب يتعلمون على برامجها في البرمجة بلغتي تيربوباسكال وتيربو سي ودلفي ومنها إلى برامج إدارة قواعد البيانات بارادوكس وغيرها الكثير.

حصل فيليب على شهادة الدكتوراة في الرياضيات من الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وعمل بالتدريس لفترة قصيرة بعد التخرج، ثم تعلم لغة البرمجة باسكال مباشرة على يد مخترعها في مدينة زيورخ. دخل فيليب معترك العمل في مجال تقنية المعلومات قبل نشأتها، في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، حين عمل كمبرمج في فرنسا على جهاز حمل اسم ميكرال، وهو ما يصطلح المؤرخون على أنه كان من إرهاصات نشأة المايكرو كمبيوتر أو الكمبيوتر الشخصي الصغير. (كان لفظ كمبيوتر وقتها يُطلق على هذا الجهاز العملاق الذي يشغل غرف عديدة ويحتاج لطاقة كهربية تكفي مدينة صغيرة، ولمحطات تبريد خاصة).

سافر فيليب إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة أراد منها العمل هناك، فكانت أول وظيفة له في معامل شركة هيولت باكرد (اتش بي اليوم) لكن هذه الوظيفة استمرت ثلاثة أيام فقط، بعد أن اكتشفت الشركة أنه قدم للبلاد بفيزا زيارة وبالتالي لا تستطيع تعيينه بدوام كامل، لكن يمكنها الاستعانة به كخبير فني، وهو ما وافق هوى فيليب، فأسس شركة استشارات فنية أسماها ماركت إن تايم، وهي حملت الحروف الثلاثة الأول ام آي تي، لتتشابه مع معهد ماساتوتش التقني الأشهر على مستوى العالم. الطريف في الأمر أن مقابلة التوظيف هذه اعتمدت على أن فيليب ضليع في مجال ترتيب المعلومات في صفوف Queuing وهي كذبة استدركها فيليب بقضاء ليال طوال يذاكر فيها بجهد هذه التقنية الجديدة حتى صار خبيراً فيها فعلاً – فيليب الشرير!

بالطبع لم ينل اسم شركته رضا المسئولين في المعهد الشهير، الذين أرسلوا رسالة شديدة اللهجة للشركة الناشئة تطلب تغيير الاسم وإلا. تصادف في ذات الوقت أن كان فيليب انتهى من مشروع طلبته منه شركة أيرلندية حملت اسم بورلاند، نشأت في عام 1980 ثم أفلست تاركة ديون عميقة لم تسد دها له، فاشتراها فيليب في 1983 مقابل أن ينسى ديونها ويحصل على اسمها وأصولها وممتلكاتها. بذلك أصبحت شركته تحمل اسم بورلاند رسمياً.
كان فيليب يرى أن الجميع يركز على تطبيقات المحاسبة والكتابة، تاركين مجال البرمجة خالياً، لذا أراد أن يغطيه بلغة البرمجة باسكال على حواسيب آي بي ام الشهيرة، وهو أراد تطبيقاً يحتاج مساحة ذاكرة صغيرة للعمل، ويعتمد على واجهة تطبيق أنيقة، والأهم من كل هذا: سرعة تشغيل كبيرة. كانت هذه الفكرة صعبة –بل مستحيلة- التطبيق وقتها، لكنه فعلها في نوفمبر 1983 عندما أطلق تيربو باسكال بمجهود أربعة مبرمجين فقط. كعادته، سهر فيليب ليلاً طويلاً ليضع تصميم أول إعلان للغة البرمجة تيربو باسكال، وعمد لخدعة أخرى، حينما دعا مسئول بيع الإعلانات في مجلة تهتم بشئون الحواسيب، وتظاهر بأن لديه عروض إعلانات من مجلات أخرى، فما كان من البائع الذكي إلا أن عرض على فيليب نشر الإعلان أولاً ثم قبض ثمنه لاحقاً. هذه الفكرة أثبتت روعتها ونجاحها فيما بعد.

اقرأ ايضاً:   سبع عادات لنجاح مشروعك

أراد فيليب كذلك عقد مؤتمر صحفي لبرنامجه الجديد تزامناً مع معرض كومدكس الأمريكي، لكنه كان حسير المال، لذا عمد لفكرة أذكى، أعلن عن مؤتمره الصحفي في مطعم ماكدونالدز للوجبات السريعة، وهو أمر لم تستهجنه الصحافة، وحضره صحفي في مجلة بايت الأمريكية، والذي عاد ليكتب في ثلاثة أعداد متتالية عن لغة البرمجة الساحرة الرائعة…
بالطبع وكما النار في الهشيم أقبل الناس بجنون على اللغة الجديدة والتي كانت تباع بسعر زهيد (49.99) دولار في حين اللغات المماثلة تباع بآلاف ومئات الدولارات، خلال سنتين
كانت بورلاند قد باعت 300 ألف نسخة من تيربو باسكال، وتحولت من شركة يعمل بها أربعة أفراد إلى شركة لديها مئة موظف.
لم تصفو الدنيا للعبقري طويلاً، فرغم نجاحاته في عالم أعمال البرمجة، ورغم صراعه مع عمالقة البرمجيات مثل لوتس ومايكروسوفت، لكن فيليب تم الاستغناء عن خدماته بعد 12 سنة قضاها مديراً، في عام 1994 بقرار من مجلس المساهمين بعد أن بدأت شركته في البعد عن عزف نغمة الأرباح وبدأ ت تتكبد الخسائر الجسام، وكان لقرارات فشلت (مثل شراء شركة أشتون تايت وبرنامجها الشهير دي بيز برو مقابل 439 مليون دولار استنزف سيولة الشركة، ولتأخر بورلاند في طرح نسخة من برنامج قاعدة البيانات هذا تعمل على نظام ويندوز، كذلك بناء مبنى للشركة تكلف مئة مليون دولار وغيرها) الفضل في الاستغناء عنه.

الفشل لا ينال من معادن الرجال الناجحين، لذا استمر فيليب في دربه وأسس شركة أخرى سماها ستار فيش StarFish للبرمجيات المتخصصة في التطبيقات اللاسلكية لنقل وتبادل المعلومات. حينما وضعت زوجته ابنتهما صوفي، أراد الزوجان تبادل صور الجميلة الصغيرة مع بقية العائلة عبر الهاتف لا الكمبيوتر، وهذه كانت لحظة ميلاد فكرة خدمة تبادل الصور عبر الهواتف النقالة في هيئة ام ام اس MMS وميلاد شركته الثالثة، إذ كان فيليب يحمل الكاميرا الرقمية في يد، والهاتف النقال في اليد الأخرى، ومثل هذه المواقف لا تمر على عقلية
لامعة مثله، فالسؤال المنطقي الطبيعي سيكون لماذا لا نمزج الآلتين معاً؟

اقرأ ايضاً:   29 جهة تمويلية لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة

في يونيو 199 7 كان فيليب قد انتهى من النموذج التجريبي للهاتف النقال ذي الكاميرا الرقمية، ليبيع شركة ستار فيش بعد ثلاث سنوات ونصف من إنشائها بمبلغ 253 مليون دولار لشركة موتورولا في عام 1998. احتفظ فيليب بموقعه كمدير لشركة ستار فيش، وقام بعدها بتأسيس شركتيه الجدد: لايت سيرف وأوبن جريد، ثم أتبعهم بشركته الرابعة والحالية “فولـباور” التي أسسها مع زوجته في عام 2003. الجدير بالذكر أن تطبيقات التقاط الصور الرقمية تعتمد على خوارزميات لضغط هذه الصور لتشغل حجماً أقل، هذه الخوارزميات كانت محل دراسة فيليب في أطروحته، كذلك تعتمد شركة كوداك في كاميراتها الرقمية على برامج صممتها لها شركة فيليب.
لا تظنن فيليب ناجحاً على الدوام، فهو يعترف بارتكابه أخطاء إدارية كثيرة، مثل مشروعه لتصميم مساعد رقمي شخصي يمكن أن ترتديه، ثم تضعه في مقبس توصيل مع حاسوبك النقال لتحديث البيانات ثم تعود لترتديه، وخطأ فيليب –كما يخبرنا بنفسه- أنه باع حق استغلال اختراعه هذا لشركة لم تستطيع تسويقه على الشكل المطلوب، ما أدى لأن تسبقه شركة بالم بمساعدها الرقمي بالم.

لليوم، لازال فيليب من مستخدمي برامج شركته السابقة بورلاند، ولا زال يذكرها بكل خير، ولازال يدعمها. تتجه بورلاند اليوم للتركيز على توفير بيئة برمجة وتطوير للشركات كبيرة الحجم، وهي علمت أن تميزها يأتي في مجال بيئات تطبيقات التطوير IDE وخاصة لغة البرمجة دلفي التي لها محبون كثيرون. قد لا تكون بورلاند لاقت مصيراً أفضل من شركة نتسكيب، لكنها تبقى ضمن ضحايا مايكروسوفت، على أنها تثابر للخروج من عثرتها.

ما نخرج به من دروس وعبر من قصة فيليب:
خسرت بورلاند المعركة لصالح مايكروسوفت لأنها حادت عن الإبداع والابتكار، كما لم توفق أوضاعها بشكل سليم مع تزايد حجمها، ولم تتناغم مع السوق بشكل إيجابي.
في بدايته، استخدم فيليب سلاحاً تسويقياً جديداً، باع لغة برمجة رائعة بسعر متدن، فتعلمت مايكروسوفت منه الدرس، وردتها له في صورة برنامج قاعدة بيانات بسعر 99 دولار، في حين
كان سعر منتج بورلاند المماثل 795 دولار.
منذ خروج بورلاند من حلبة المنافسة، توقفت مايكروسوفت (كعادتها) عن الابتكار والإبداع، خاصة في مجال أوراق العمل (سبريد-شيت) وربما قواعد البيانات، أي أن مايكروسوفت شركة تبدع فقط عند وجود المنافسة، وهو أمر يضر المستخدمين.

رأي واحد حول “قصة نجاح فيليب كان”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *