قصة نجاح جوناثان بالمر الذي جعل الهواية مهنة

قضى جوناثان بالمر ست مواسم في قيادة سيارة السباق في سباق الفورمولا 1. وتمثلت أفضل نتائج يحققها بحلوله في المرتبة الرابعة في السباق وفي تحقيقه لإيرادات سنوية قيمتها 200 ألف جنيه إسترليني أثناء ذروته كمتسابق.
ولكن عندما واجه الهزيمة من قبل زميل شاب له في عام 1990 عرف بأنه حان الوقت ليعتزل مهنة سباق السيارات.
وعن ذلك تنقل عنه صحيفة الفاينانشيال تايمز قوله “أردت أن أبدأ بإقامة عمل خاص بي. وباعتباري سائق في سباق الفورملا 1 كانت أيام التسابق لصالح الشركات تمثل على الدوام جزءا من مهنتي، لكنني لم أكن معجبا بمستويات هذه الفعاليات، لذلك قررت أن أقوم بفعالية خاصة بي وأن أقوم بها بشكل أفضل مما كان سائدا”.
فكر بالمر في أن أهم شيء يمكن أن يجعل من الشركة التي سيؤسسها تختلف عن غيرها من الشركات هو “منح الزبائن المزيد من الحرية والسماح لهم بالحصول على قدر أكبر من المتعة مع عدم التعامل معهم وكأنهم أطفال”.
على هذا الأساس، وبدون أن يعبأ بواقع التباطؤ الاقتصادي الذي كان سائدا في بداية عقد التسعينات من القرن المنصرم، أقدم على تأسيس شركة “موتور سبورت فيشين” برأسمال مقداره 100 ألف جنيه إسترليني وذلك في عام 1991.
وعن طريق رعايتها للبطولات وأيام السباقات المدعومة من قبل الشركات في مجموعة دوائر التسابق التي أسسها بالمر، بضمنها “براندز هاتش”، نمت الشركة التي أسسها بالمر لتدر مبيعات قيمتها 42 مليون جنيه إسترليني في عام 2008.
ومع حلول فترة جديدة من الركود الاقتصادي في المملكة المتحدة، يتأهب بالمر للقيام بأكبر مراهنة في مجال الأعمال، وهي عبارة عن استثمار رأسمالي قيمته 6 ملايين جنيه إسترليني في سلسلة سباقات جديدة مصممة لتهيئة أفضل المتسابقين الشباب لسباق الفورميلا 1. وسيأتي مصدر التمويل الوحيد من إيرادات شركة “موتور سبورت فيشين”. وعن ذلك يقول بالمر “لا أحبذ تحمل الديون”.
وشأن أي متسابق في سباق للسيارات، فإن بالمر، البالغ 52 عاما من العمر، يسعى إلى العثور على مزايا وخصائص تميزه عن منافسيه. إذ يعتقد بالمر بأن مفتاح نجاح الأعمال قد لا يتمثل بالضرورة في طرح منتجات أو خدمات جديدة بل في العثور على منتجات وخدمات قائمة والقيام بها بشكل أفضل مما يقوم به المنافسون.
وعن طريق توجيه الأسئلة إلى الزبائن عما لا يحبذونه في المنتج أو الخدمة المقدمة، فإن العثور على الصيغة المناسبة للأعمال يكون دوما أمرا ممكنا، حسبما يؤكد بالمر. ويضيف قائلا “هناك الكثير من الناس ممن هم غير جديري بالثقة. إلا أن الناس يحترمون أولئك الذين يعملون بكل جهد ومثابرة من أجل تقديم أفضل الأشياء”.
تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز إن أخلاقيات بالمر في مجال الأعمال قد نمت عنده وهو في عمر مبكر. فهو لم يكن متسابقا عاديا في سباق السيارات. فبسبب ولادته لأسرة تعمل في مجال الطب تعيش في مقاطعة أسيكس، استطاع بالمر الجمع بين دراسته في مجال الطب في مستشفى “غايز”، من جهة، وبرنامج سباق السيارات المزدحم، من جهة أخرى. وغالبا ما كان يذهب بسيارته إلى المسابقات ومعه ملاحظاته في علم التشريح يضعها على مقود السيارة. ذلك جعله يعيش حياة مزدوجة. فبعد أن حصل على شهادة في الطب في عام 1980، التزم بالمر بمهنة أخرى كمتسابق، واستطاع تسلق السلم حتى بلغ مرحلة التنافس في سباق الفورملا 1 في عام 1983.
كان خوض سباق السيارات آنذاك، مثلما هو الآن، مهنة مرتفعة التكاليف وخصوصا في ظل صعوبة العثور على جهة راعية. ذلك ما دفع بالمر إلى التفكير بابتكار طرق جديدة يستطيع من خلالها تقديم قيمة أكبر للجهات الراعية من خلال الفوائد الإضافية مثل أيام قيادة السيارة.
وكان هناك القليل من فرق التسابق التي تحظى بالتمويل الكامل والمستعدة للتعاقد مع سائقين مثلما كانت هناك قلة من الجهات الراعية المستعدة لتمويل فريق بأكمله. وكان على غالبية المتسابقين أن يثابروا في سبيل الحصول على المال اللازم لدخول المسابقات. وعن ذلك يقول بالمر “إن الأمر كان يمثل مرحلة تدريب ممتازة للقيام بالأعمال”. ويضيف “إن جزءا مهما من الأعمال يتمثل في البيع. وفي تلك الأيام عرفت إذا لم استطع تدبير أمري، فإنني لن أستطيع خوض المسابقات. وكنت أسأل الجهات الراعية عن الفوائد التي يسعون إلى الحصول عليها لكي أقدم لهم حزمة من هذه الفوائد”.
غير أن بالمر يفتقر إلى التدريب الرسمي في مجال الأعمال. إذ يقول “ليس لدي خلفية في مجالات المحاسبة أو الاقتصاد المالي، إلا أن كل ذلك لا يعدو أن يكون أكثر مكن آليات للمراقبة. فمجال الأعمال بكل بساطة عبارة عن عملية تحديد الأشياء والقيام بعد ذلك ببيع شيء ما إلى الناس بسعر أعلى بقليل من تكاليف الإنتاج”.
في عام 1991، أقدم بالمر على استئجار مطار قديم في مقاطعة ليستيرشاير، وعلى شراء أربع سيارات سباق، ليبدأ ببيع حزم من الخدمات، تتمثل بالدرجة الأولى بالتدريب على تقنيات التسابق. وقد دفع بالمر 100 ألف جنيه إسترليني كتكاليف بداية المشروع من ماله الخاص. وفي العام الأول حقق مبيعات قيمتها 250 ألف جنيه إسترليني.
وبعد مضي عامين على تأسيس الشركة أصبحت الخدمات التي تقدمها أكثر شعبية من تلك التي تقدمها المدارس القائمة في سيلفرستون وبراندز هاتش، في حين بلغت قيمة المبيعات 4 ملايين جنيه إسترليني سنويا.
غير أن بالمر أراد قدرا أكبر من السيطرة على أمكنة التدريب. لذلك عندما تم طرح قاعدة جوية قديمة في مدينة بيدفورد تابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية في السوق، عرض بالمر 3 ملايين جنيه إسترليني لشرائها. وقد قام باقتراض المال من البنك، بضمان نصف المبلغ من قبله والنصف الآخر من صديقيه، المصرفي السير بيتر أوغدين ومؤسس شركة “مورس” لأنظمة الكمبيوتر جون بريتين. وقد أصبح الأخيران مساهمين في الشركة بحصة أقلية.
بدأ بالمر بعد ذلك بتصنيع سيارات سباق خاصة به تطورت لتصبح سيارات خاصة بسلسلة السباق التي يرعاها تسمى “فورميلا بالمر أودي” والتي تم تصميمها لإتاحة خدمة تسابق مثيرة وبميزانية منخفضة لا تزيد عن 100 ألف جنيه إسترليني في الموسم الواحد أو أقل من ميزانيات السلاسل المنافسة الأخرى.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبه بالمر تمثل في إقدامه على توسيع السلسلة دوليا الأمر الذي أدى إلى ارتفاع التكاليف وإلى استنزاف ساحة السباق. وبعد أن أدرك خطأه، استطاع تجاوزه عن طريق العودة إلى الأساسيات وخفض التكاليف.
في عام 2003 تم طرح مجموعة “براندز هاتش” لساحات السباق في السوق. وكانت هذه المجموعة تتألف من “براندز هاتش” في مقاطعة كينت و “أولتون بار” في مقاطعة تشيشاير و “سنيتيرتون” في مقاطعة نورفولك و “كادويل بارك” في مقاطعة ليستيرشاير. وقد وجد بالمر في هذه المجموعة مناسبة جدا لأعماله لأنها تتيح زيادة في الأيام المخصصة للشركات في الوقت الذي توفر له قاعدة للتوسع في بطولات السباق.
كانت مجموعة “براندز هاتش” تتكبد خسائر باهظة تصل قيمتها سنويا إلى 4 ملايين جنيه إسترليني. وقد وجد بالمر أن بإمكانه شراء هذه المجموعة مقابل 15.5 مليون جنيه إسترليني، بدعم تمويلي من السير بيتر والسيد بريتين، اللذين توليا حصة نسبتها 20% لكل منهما في أعمال الشركة. بعد ذلك حدد بالمر المشكلتين الرئيسيتين اللتين كانتا تواجهان “براندز هاتش”، وهما الفيض في الموارد البشرية وضعف السيطرة على التكاليف. على أثر ذلك أقدم بالمر على خفض قوة العمل من 180 موظفا إلى 120 موظفا وعلى تنفيذ برنامج صارم لخفض التكاليف بهدف العودة إلى تحقيق الأرباح.
خلال الأشهر القليلة الماضية اقدم السيد برتين على بيع حصته في الشركة لترتفع حصة بالمر إلى 75% ولتصل حصة السير بيتر إلى 25%. ويجتمع بالمر بالسير بيتر مرة واحد في كل ثلاثة أشهر، واصفا عملهما باعتباره مصدر لا غني عنه للإستشارة بشأن إستراتيجية أعمال الشركة.
يؤكد بالمر على أن جميع مجالات أعمال الشركة باتت تحقق الأرباح، وهو ما يدفعه إلى تولي مقامرة تعد الأكبر من نوعها تتمثل في تقديم عرض لإدارة سباق الفورميلا 2.
ويعتقد بالمر بأن المناخ المالي الحالي الذي يسوده التشاؤم يمكن أن يسير لصالحه عن طريق استقطاب المتسابقين المجتهدين من الشباب. إذ يقول ” يعتقد الكثير في مجال سباق السيارات بأن الأوضاع الحالي سيئة للغاية. إلا إنني اعتقد العكس”.
وفي ظل استعداداته لمواجهة الركود الاقتصادي، يتوقع بالمر بأن العديد من زبائنه من الشركات سيستمرون في تغطية تكاليف أيام الاستضافة بهدف دعم علاقات الأعمال والنهوض بالمبيعات. إلا أنه يدرك بأن أعماله لن تكون بمنأى عن تأثيرات الركود الاقتصادي. إذ يقول “سوف نسعى إلى خفض التكاليف وإلى أن نحقق مستويات أعلى من الكفاءة”.

وصايا بالمر للمشاريعين من الشباب:

  • • حاولوا السيطرة على التكاليف في جميع الأوقات. إذ أن النهوض بمستويات الكفاءة لا يتطلب بالضرورة المزيد من الإنفاق الرأسمالي.
  • استمعوا إلى الزبائن. فما يفكر به الزبائن مهم جدا. أسألوا الزبائن عما يزعجهم بشأن منتجاتكم واستجيبوا لوجهات نظرهم.
  • العمل المثالي هو ذلك الذي يتطابق مع الاهتمام والهواية الشخصية. ذلك يجعل من العمل الشاق أسهل بكثير مثلما يجعل مستوى الفهم أعلى. ويصبح العمل في هذه الحالة طريقة حياة.
  • المنتجات والخدمات الجديدة ليست على الدوام أفكار أعمال جيدة. أعثروا على شيء قائم وحاولوا القيام به بشكل أفضل. أصنعوا سيارة أفضل ونظموا فعالية أفضل وبطولة أفضل. حددوا بالضبط ما تريديون إتاحته وأعرفوا كيف سيكون أفضل مما سيتيحه المنافسون.

One thought on “قصة نجاح جوناثان بالمر الذي جعل الهواية مهنة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *