قصة نجاح ايونغ كوفمان

ولد ايونغ ماريون كوفمان في مزرعة من مزارع كاردن سيتي في ولاية ميسوري، وانتقل وعائلته للعيش في مدنية كنساس عندما كان عمره 8 سنوات. وبعد بضع سنوات، حدث أمر خطير في حياة كوفمان عندما تم تشخيصه بمرض في القلب. تمثل علاج حالته هذه بالراحة التامة على السرير لمدة عام كامل، حتى انه كان من غير المسموح له بالجلوس.
قامت والدة كوفمان، وهي خريجة احدى الكليات، بحل هذه المشكلة وذلك بجعل هذا الوالد النشيط ذو الأحد عشر عاما منهمكا في القراءة وهو على السرير طيلة فترة علاجه. وطبقا لكوفمان فانة كان مقدرا له ان يقرأ. لانه لايوجد هناك شي آخر يقوم به. إذ يقول “كنت أقرا كل شهر ما يتراوح بين 40 و 50 كتابا، وعندما يقرأ شخص ذلك المقدار الوفير من الكتب فإنه يقرأ كل شيء. لقد قرأت السير الشخصية لكل الرؤوساء الأمريكيين مثلما قرأت عن سكنة الحدود، وقرأت الكتاب المقدس مرتين وتلك كانت قراءة قاسية جدا”.

ثمة تجربة قاسية آخرى مهمة في طفولته المبكرة تركزت على البيع من باب منزل إلى آخر. حيث أن عائلته كانت لاتملك الكثير من المال، لذلك كان على كوفمان بيع 36 دزينة من البيض المجموع من الحقل او بيع السمك المنظف والجاهز للطبخ والذي يصطاده هو ووالده. وكانت والدته مشجعة جدا خلال السنوات التقويمية والتكوينية من دراسته في المدرسة، قائلة للشاب ايونغ كل يوم “ربما يوجد البعض من الذين يملكون المال الكثير في جيوبهم، ولكن يا ايونغ، لايوجد هناك من هو أفضل منك”.

عمل ايونغ كوفمان خلال مرحلة شبابه في مصبغة بوظيفة تسليم الملابس، بالإضافة إلى كونه عضو في فرقة للكشافة. وإلى جانب اجتيازه كل المتطلبات ليصبح “كشافة نسر” و “كشافة بحر”، باع من بطاقات (موجز الكشافة) اكثر – بمقدار مرتين- من أي عضو آخر من مدينة كنساس. وقد مكنه هذا الانجاز من حضور المخيم الصيفي للكشافة الذي مدته اسبوعين مجانا, ذلك المخيم الذي لن يستطيع والديه تحمل تكاليفه بأي طريقة آخرى. وحسبما يقوله كوفمان “أعطتني هذه التجربة بعض تقنيات البيع التي لعبت دورا مهما فيما بعد عندما دخلت وبدات العمل في مجال الصيدلة”.

ذهب كوفمان إلى كلية اليافعين وكان دوامه فيها من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة ظهرا وبعد انتهاء دوامة كان يتمشى مسافة ميلين إلى المصبغة حيث كان يعمل حتى الساعة السابعة مساء. وعندما تخرج، ذهب للعمل بدوام كامل في المصبغة عند السيد ر.أ. لونغ، الذي سيصبح فيما بعد أحد النماذج التي يقتدى بها.
اشتمل عمله كرئيسي عمال الطريق على ادارة 18 إلى 20 من سواق الطريق، حيث سيبدأ سباقات بيع مثل تحدي السائقين الآخرين في امكانية حصولهم على عدد من الزبائن اكثر من العدد الذي يستطيع هو الحصول عليه بنفسه. يقول ايونغ “حصلت خبرة في البيع أثبتت فائدتها في مرحلة لاحقة من حياتي.
وقد كسب ر.أ. لونغ الأموال ليس فقط من أعمال المصبغة بل وأيضا من براءات الاختراع التي كانت إحداها بشكل قالب لعمل ياقة القميص المناسبة التي من شأنها المحافظة على شكل القميص. وقد أظهر لمتدربه الشاب أن بإمكان المرء أن يحقق المال بفضل العقل وأيضا بفضل القوة العضلية. ويعلق كوفمان على ذلك بالقول “لقد كان رجلا حقيقا وكان لديه تأثير حقيقي على حياتي.”

كانت مهارة وقدرة كوفمان في المبيعات ذات فائدة ايضا خلال فترة عمله الوجيزة في قوات البحرية الأمريكية، التى أنظم بعد فترة قصيرة من الهجوم الياباني على ميناء “بيريل هاربور” في 11 يناير من عام 1942.
وعندما عين كجندي بحري متدرب براتب قدره 21 دولارا شهريا قال كوفمان “كنت أفضل من يكون جنديا بحريا متدربا لأنني كنت كشافا بحريا حيث ركبت الكثير من السفن ومراكب صيد الحيتان”. كانت قدرة كوفمان على الابحار مقنعة للبحرية لكي تعينه في منصب جندي بحري من الدرجة الاولى براتب شهري قدره 54 دولارا. وقد انضم كوفمان إلى الهيئة الخاصة للاميرال حيث اصبح عامل الاشارة (وهو جندي بحري يقوم ببث الرسائل من سفينة إلى آخرى)، وذلك بفضل قدرته على قراءة الرسائل أفضل من أي شخص آخر بسبب قراءته المركزة السابقة.وبتشجيع من الأميرال دخل كوفمان فصلا دراسيا في المراسلة الملاحية ليتولى مهمة طاقم القيادة وليصبح ضابطا في الملاحة.

وبعد انتهاء الحرب عام 1947، بدأ كوفمان حياته كبائع صيدلاني بعد تفوقه في اختبار الكفاءة والجدارة على اكثر من 50 آخرين من المتقدمين لهذه الوظيفة. وتضمن عمله بيع تجهيزات الفيتامينات وحقن الكبد على الاطباء. وخلال عمله الذي خلا من التكاليف والعلاوات كان كوفمان يحصل بحلول نهاية السنة الثانية على راتب أعلى من راتب الرئيس.
وفيما بعد وعندما عين كوفمان مدير ولايات الوسط الغربي حقق ربحا نسبته 3% من كل شيء كان العاملون معه يبيعونه، واستمر في تحقيق أموال أكثر من رئيس الشركة. وعندما تم تقليص المساحة الجغرافية التي كان يشرف عليها استقال من العمل في عام 1950 وأسس شركته الخاصة، “ماريون لابوراتوريز” (مختبرات ماريون)، حيث أن ماريون هو أسم والده.

عندما يسترجع كوفمان في ذاكرته تأسيس الشركة الجديدة، يقول “لقد كان الأمر أسهل مما يبدو لأنه كان لدي اطباء ممن كنت أبيع التجهيزات المكتبية لعدة سنين. وقبل أن أستقيل من عملي السابق، ذهبت إلى ثلاثة منهم وقلت “أفكر في انشاء شركتي الخاصة، هل يمكنني أن اعتمد عليكم في تلبية طلبياتكم إذا استطعت أن أقدم لكم نفس النوعية والخدمة؟” كان هؤلاء الثلاثة يمثلون اعتباراتي وحساباتي الكبرى. وقد افق كل واحد منهم لأنهم يحبوني وكانوا سعيدين للعمل معي”.
بدأت شركة “مختبرات ماريون” بتسويق المنتجات القابلة للحقن التي كانت تصنع عن طريق شركة آخرى وتحت علامتها التجارية الخاصة بها. وتوسعت الشركة نحو اهتمامات ومنتوجات عديدة، وبعد ذلك طورت أول وصفة دوائية خاصة بها وهي دواء “فايكام”، وهو منتوج احد الفيتامينات. والمنتج الدوائي الثاني الذي طورته هو كالسيوم صدفة المحار الذي بيع بشكل جيد.

ومن أجل توسيع الشركة، اقترض كوفمان 5000 دولارا من شركة “كوميرشيال تراست” للأئتمان التجاري. وقد سدد القرض واستمرت الشركة بالنمو. وبعد عدة سنوات، أصبح باستطاعة المستثمرين من الخارج أن يشتروا ما قيمته 100 دولار من الأسهم العادية إذا أقرضوا الشركة 1000 دولار يتم تسديدها عند 1250 دولار خلال خمس سنوات ومن دون فوائد آخرى. وهذا الاستثمار الأولي البالغة قيمته 1000 دولار كان سيعادل فيما لو تم الاحتفاظ به حتى عام 1993 نحو 21 مليون دولار.
واصلت ”مختبرات ماريون” التوسع والانتشار ووصلت قيمة مبيعاتها السنوية إلى ما يزيد عن مليار دولار، وذلك بفضل العلاقة بين ايونغ كوفمان والعاملين في الشركة الذين كانوا يسمون شركاء وليس موظفين. يقول كوفمان “لقد كان جميعهم مالكو أسهم، ولقد قاموا ببناء هذه الشركة وانهم يعنون لنا الكثير”. وكان مفهوم الشركاء يمثل أيضا جزءا من المبدأين الاساسيين التي قامت عليها الشركة: يتعين بالذين ينتجون أن يشاركوا في نتائج الأربحاح، ويتعين معاملة الآخرين بنفس بالطريقة التي تحب أن تعامل بها”.

تم إدراج أسهم الشركة في سوق الأسهم من خلال “سميث بارني” المالية في 16 أغسطس 1965 وبسعر 21 دولارا للسهم الواحد. وقفز سعر السهم إلى 28 دولار على الفور ولم يهبط دون ذلك المستوى أبدا وفي بعض الاحيان تم التعامل به بما يتراوح بين 50 و 60 مرة ضعف معدل الإيرادات.

وقد عرض على مشاركي الشركة خطة مشاركة في الأرباح، تنطوي على تملك أي منهم لأسهمه الخاصة به في الشركة. وفي عام 1968 أعاد كوفمان فريق الدوري الرئيسي لكرة المضرب إلى مدينة كنساس وذلك من خلال شرائه لـ “كنساس سيتي رويالز”. وقد عزز ذلك القاعدة الاقتصادية للمدينة والوضع الاجتماعي والفخري له. وعندما تم دمج “مختبرات ماريون” مع شركة “ميرل داو” في عام 1989 كان هناك 3400 شريكا، 300 شريك منهم جاءوا من عملية الاندماج. وكبرت الشركة الجديدة (ماريون ميرل داو) لتضم 9000 شريكا ولترتفع قيمتها السوقية إلى 4 مليارات دولارا في سنة 1998 عندما تم الاستحواذ عليها من قبل شركة “هويتشيست”، وهي شركة دوائية أوروبية. وقد أصبحت شركة (هويتشيست ماريون روسيل) شركة رائدة على الصعيد العالمي في مجال الرعاية الصحية والصناعة الدوائية. وفي أوآخر عام 1999 أندمجت الشركة مرة آخرى مع شركة “أفينتيس فارما” الدوائية العالمية التي تركز على الأدوية البشرية (الوصفات الدوائية واللقاحات) والصحة الحيوانية. وفي عام 2002 وصلت مبيعات شركة ” أفينتيس” إلى 16.634 مليار دولار بزيادة بنسبتها 11.6% عن مبيعات عام 2001، في حين ارتفع عائد السهم الواحد بنسبة 27% عن العام السابق.

كان ايونغ ماريون كوفمان مشاريعيا (entrepreneurial)، ومالكا لفريق الدوري الرئيسي لكرة المضرب وشخصا محسنا آمن بأن نجاحه كان كنتيجة مباشرة لفلسفة اساسية تقول: عامل الآخرين بالطريقة التي تحب ان يعاملونك بها”. وكان يقول إن هذه الفلسفة هي “المبدأ الأسعد الذي بواسطته نستطيع العيش والمبدأ الاكثر ذكاءا الذي بواسطته نستطيع العمل وكسب المال”.

وفلسفة إونغ ماريون كوفمان بشأن المشاريكين تقوم على أن مكافاة الذين ينتجون والسماح باتخاذ القرار داخل المنظمة هما المفهومين الأساسيين لما يشكل المشاريعية (entrepreneurship) في أي شركة. ولقد ذهب أبعد من ذلك في توضيح إيمانه بالمشاريعية وروح الإحسان عندما انشأ مؤسسة كوفمان التي تدعم البرامج في مجالين، هما تطوير الشباب ووالمشاريعية. وكونه مشاريعيا لامعا، سينتج السيد كي، كما يسميه موظفوه، عددا أكبر من “المشاريعيين الشركاء” الناجحين..
ومثل ايونغ ماريون كوفمان، هناك العديد من المشاريعيين ومن مشاريعي المستقبل الذين يسألون أنفسهم باستمرار: “هل حقا أنا مشاريعي؟ هل أملك ما يستلزمه لكي أكون ناجحا؟ هل لدي الخلفية والخبرة الكافيتين للبدء بمشروع جديد ولإدارته؟ وبنفس درجة الإثارة التي تنطوي عليها فكرة البدء بعمل وامتلاكه، فإن المشاكل والعقبات التي تنطوي عليها العملية هي الآخرى اسطورية شأنها شأن قصص النجاح. وتبقى الحقيقة التي تقول بان كثير من مشاريع الأعمال الجديدة التي فشلت أكبر من تلك التي نجحت. ويتطلب أن يكون المرء واحدا من قلة أكثر من مجرد العمل الشاق والحظ. بل يتطلب تقييما شاقا وشريفا لجدوى مستقبل الأعمال مثلما يتطلب وعلى نفس الدرجة من الأهمية مثل هذا التقيم لنقاط القوة والضعف.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *