قصة نجاح الأخوان جاكوبز

عندما كان الأخوان بيرت وجون جاكوبز في العشرين من عمرهما، أقدما على شراء حافلة صغيرة وقديمة أطلقا عليها اسم “ذي إنتربرايز”، ليقوما بملئها بقمصان رياضية كانا قد صمماها بنفسيهما وليجولا في الشوارع والطرق في مدينة بوستون بولاية ماساتشوستس بقصد بيع القمصان وخصوصا في ساحات الجامعات الواقعة في المدينة.
كانا يغطيان التكاليف التي يتطلبها هذا النوع من النشاط عندما يبيعان 10 قمصان. إلا أنهما عاشا في ضنك وبحد الكفاف. فقد كانا ينامان داخل الحافلة المزدحمة يأكلان شطائر الخبز المغطى بزبدة الفستق والمربى وأحيانا يشتريان وجبة واحدة من محل لبيع البيزا وأحيانا ينجح أحد زبائنهما في مساعدتهما على التسلل إلى كافتريا الجامعة لكي يأكلا وجبة مدعومة.
وعن تلك التجربة يقول جون الأخ الأصغر بنحو ثلاث سنوات “عندما نحكي هذه القصة للبعض فإنهم يقولون لنا إن مثل هذه الأوضاع تبدو صعبة. إلا أنها لم تكن كذلك في الواقع لأننا كنا شبابا وأقوياء. كان لدينا أمل بأن ما كنا نقوم به سيؤدي بنا إلى شيء كبير ولكننا كنا نقوم بشيء أحببنا القيام به. فقد كنا نبيع بضاعتنا وكنا نسافر ونلتقي مع الناس ونراقب الفتيات أيضا. وخلال أيام النشاط البطيء وإذا كان الطقس جميلا كنا نلعب لعبة الفرزبيز”.


بعد عشرين عاما من ذلك الوقت، ما يزال الأخوان جاكوبز يبيعان القمصان الرياضية وما زالا يلعبان لعبة الفرزبيز. وباعتبارهما مؤسسين لشركة “لايف إز جود” للألبسة والملحقات ومقرها ولاية بوستون الأمريكية، والتي بلغت قيمة مبيعاتها في عام 2008 نحو 120 مليون دولار، فإن الأخوين جاكوبز لا يترددان في نشر رسالة مفادها التفاؤل وتثمين الأشياء الصغيرة والمرحة في الحياة.
تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز إن غالبية السلع التي تصنعها وتبيعها الشركة – والتي تتجاوز في أنواعها نحو 980 سلعة وتتضمن أفرشة للكلاب وأكواب للسفر وأغطبة لإطارات السيارات – تحمل شعار الشركة والذي هو عبارة عن صورة لشخص رفيع يحمل اسم جيك وهو يستمتع بسلسلة من الهوايات في الهواء الطلق، بضمنها السباحة والرحلات وصيد السمك ولعب الغولف. وفي حين أن محور شعار الشركة ينصب على عبارة “لايف أز جود (أو الحياة جيدة)، إلا أنه يتضمن أحيانا عبارات مثل: استمتع بالوقت الجميل، أو أحب ما تقوم به وقم بما تحب.
وباعتبارهما مديرين للشركة، استطاع جون وبيرت جاكوبز تطوير نهج مرح للقيام بالأعمال. ولكن، باعتبارهما من المتبرعين للأعمال الخيرية، فإن نهجهما يتسم أيضا بالصرامة والجدية.


تقول الصحيفة إن الجهود الخيرية للشركة بدأت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. فقد خسر الأخوان بيرت وجون أصدقاء لهما قتلوا في الهجوم الإرهابي على برجي التجارة في نيويورك، وساد الشركة جو من الوجوم وهبوط المعنويات. وعن ذلك يقول بيرت “كان من الصعب الذهاب إلى العمل بمكان مثل لايف إز جود عندما كان العاملون يتساءلون قائلين: هل الحياة فعلا جيدة؟”.
قامت الشركة بعد الهجمات بتصميم قمصان تحمل العلم الأمريكي متبرعين بالأرباح إلى مؤسسة “يونايتيد واي” التي تأسست لرعاية مصالح أسر القتلى في الهجمات.
في العام التالي اختار الأخوان بيرت وجون قضيتين تهتمان برعاية الأسر، هما “كامب سان شاين” التي ترعى الأطفال الذين يعانون من أمراض خطيرة، و “بروجيكت جوي” التي تقدم علاج المرح للأطفال الذين يعانون من تأثير المصائب.


وقد قام الأخوان بتنظيم مهرجان في الهواء الطلق إنطوى على منافسات في الأكل وفي أصباغ الوجه. وينظر الأخوان جاكوبز إلى المهرجانات التي ينظمانها باعتبارها التعبير الحقيقي لعلامة “لايف إز جود”. وغالبا ما تنصب هذه المهرجانات على استخدام منتجات البطيخ والقرع. وتحقق تلك المهرجانات الأرباح عن طريق بيع المواد الغذائية والقمصان وكذلك عن طريق جمع التبرعات. وقد نجح الأخوان جاكوبز في جمع نحو 4 ملايين دولار للمؤسسات الخيرية التي ترعى الأطفال.
وقد قامت الشركة بتأسيس مؤسسة خاصة بها لغرض توزيع الأموال على المؤسسات الخيرية. وستقوم هذه المؤسسة خلال العام الحالي بتنظيم مهرجان في مدينة تورنتو بكندا وهو الأول من نوعه خارج الولايات المتحدة.
نشأ الأخوان بيرت وجون في نيدهام وهو حي من أحياء مدينة بوستون بولاية ماساتشوستس. وقد عمل والدهما في دكان لبيع المكائن في حين عملت والدتهما في المنزل حيث قامت بتربية ستة أطفال. وقد عاشت الأسرة في بيت صغير مكون من أربع غرف. ويصف الأخوان طفولتهما بكلمة “الفوضى السعيدة”. إذ يتذكر بيرت قائلا “رغم محدودية الدخل، كانت أمنا تضحك وتغني على الدوام. ويمكن اعتبارها بأنها قد لعبت دورا كبيرا في إلهامنا لكي نؤسس علامة خاصة بنا”.
وبعد أن أنهيا دراستهما الجامعية، بدأ الأخوان ببيع القمصان في معارض تجارية بشوارع مدينة صغيرة وفي ساحات الجامعات. وفي البداية كان بيع القمصان التي كانت تحمل رسوما من الفن التجريدي وأنواعا من الشخصيات الراقصة يمثل شيئاً من المتعة “وطريقة للحصول على المال اللازم للقيام بالأعمال”، حسبما يؤكد جون، مضيفة “لكننا أردنا أيضا أن نوصل رسالة إلى الآخرين”.


وأثناء أيام طويلة قضياها في الطرق والشوارع، تداول الأخوان فيما بينهاما أفكارا كبيرة. وعن ذلك يقول بيرت “كنا نتحدث عن غزو الإعلام لثقافتنا عبر معلومات سلبية. فلم تعد هناك نشرة أخبار السادسة مساء بل كان هناك تقرير القتل الذي يبث في الساعة السادسة. تساءلنا فيما بيننا: هل هناك شيء يمكن أن نخلقه وينصب حول جانب الخير في العالم بدلا من أن يركز على جانب الشر؟ هل بإمكاننا أن نخلق أيقونة بإمكانها أن تصبح رمزا للتفاؤل؟”
في عام 1994، وأثناء استراحة من رحلات عديدة في الطرق، قام الأخوان جاكوبز بتنظيم حفلة. كان بيرت وجون بعيشان آنذاك في شقة بالقرب من بوستون، تكتسي جدرانها بالرسوم. وأثناء الحفلة قام الأخوان بتشجيع الضيوف على أن يكونوا فنانين وأن يختاروا أفضل رسم يرونه على الجدران.
لاحظ الأخوان بأن أصدقاءهما قد مالوا إلى تحبيذ تخطيط لرسم بسيط رسمه جون، وهو عبارة عن كارتون لوجه يرتدي بيريه سوداء ونظارات شمسية مع ابتسامة عريضة. وتحت هذا الرسم كتب الأصدقاء شيئا من قبيل” هذا الشخص لديه حياة” أو “هذا هو بطلي”.
شعر الأخوان بعد ذلك إنهما في طريقهما إلى تحقيق شيء لكنهما بحاجة إلى مقدار أكبر من البحث في مجال المستهلكين. مرة أخرى قاما بدعوة أصدقائهما إلى حفلة. وفي هذه الحفلة قاما بوضع لوحة تحت الرسم الكارتوني وقد كتبا عليها 50 تعليقا وشعارا. ومرة أخرى شجعا أصدقاءهما على اختيار أفضل شعار. ولم يمض وقت طويل قبل أن يتأكدا من فوز شعار “لايف إز جود”.
بعد ذلك قام بيرت وجون بطبع 48 قميصا يحمل كل واحد منها صورة الرسم مع تعليق يقول “لايف إز جود”. وفي اليوم التالي قاما بنصب كابينة في أحد شوارع مدينة كيمبرج بولاية ماساتشوستس والتي تضم جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
يقول بيرت “كانت هناك أنواع مختلفة من البشر تشتري القمصان، من راكبي الزلاجات الخشبية إلى سائقي درجات هارلي ديفيدسون النارية إلى أؤلئك الذين يرتدون البدلات والأربطة ممن كانوا يعملون في حي المال وإلى معلمي المدارس. كانت هناك فعلا قاعدة واسعة من الزبائن”.


إلى ذلك يضيف جون قائلا “خلال فترة الخمس سنوات والنصف من بيع القمصان، لم نر من قبل أي شيء يشبه ما حصل في ذلك اليوم. فبعد أن بعنا نصف ما بحوزتنا من تلك القمصان التي تحمل ذلك الرسم وذلك الشعار، طالعنا بعضنا الآخر: فقد كا الأمر مخيفا. فقد وجدنا أخيرا ما كنا نبحث عنه”.
بعد هذا النجاح الأولي، قام الأخوان جاكوبز بأخذ فكرتهما إلى الشركات المالكة لمحلات التجارية وإلى المعارض التجارية في مدينة نيويورك. وفي الواقع إنهما قاما بمثل هذا الشيء من قبل من أجل بيع القمصان لكنهما لم يحققا النجاح. أما في هذه المرة فقد وجدا استجابة قوية من قبل الشركات والمعارض.
خلاصة الأمر، وجد الأخوان جاكوبز ذلك المكان الفريد الذي يمكن أن يحتلاه في السوق لكنهما لم يكن لديهما أي فكرة بشأن كيفية إدارة الأعمال. قاما بإرسال شحنات من دون فواتير مثلما قاما بكتابة الطلبيات على صناديق البيتزا الموجودة في شقتهما. لم يكن لديهما حتى جهاز للفاكس أو جهاز كمبيوتر.
لجأ الأخوان إلى كيري غروس، وهي صديقة وجارة لهما كانت تعمل في المجال القانوني، لتساعدهما على تبني الكمبيوتر في أعمالهما بما في ذلك إعداد الفواتير وإدارة العمليات اليومية. وعن ذلك يقول جون “وجدنا شخصا له خبرة في المال يقول لنا إننا بحاجة إلى تحقيق مبيعات قيمتها 250 ألف دولار حتى يمكننا توفير ما يتطلبه توظيف موظف واحد. وقد وجدنا هذا الرقم كبير للغاية كما لو أنها أخبرتنا بإننا بحاجة إلى 50 مليار دولار”.
خلال السنة الأولى من تأسيسها، حققت الشركة إيرادات بقيمة 260 ألف دولار. وقد أقدم الأخوان جاكوبز على التعاقد مع غروس وعدد من الأصدقاء الآخرين الذين بقوا شركاء في الشركة التي يحتفظ بها الأخوان بنسبة 80%. في عام 1997 بلغت إيرادات الشركة 1.2 مليون دولار لترتفع في عام 1998 إلى 2 مليون دولار. أما اليوم فقد أصبح لدى الشركة 4500 موزع يعملون في 30 بلدا.
ليس لدى الأخوين جاكوبز أي نية ببيع الشركة أو إدراجها في سوق الأسهم. فعلى الرغم من حالة الركود الاقتصادي المخيمة الآن إلا أنهما يبديان تفاؤلا كبيرا بآفاق الشركة. إذ يقول بيرت “سواء كان الاقتصاد في حالة صعود أو هبوط فإننا بحاجة إلى أن نكون متفائلين. أعتقد بأن ونستون تشرشل هو من قال: أنا متفائل. وعلى ما يبدو لا ينفع للمرء أن يكون أي شيء عدا أن يكون متفائلا”.

رأيان حول “قصة نجاح الأخوان جاكوبز”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *