عمر لطيف نجاح رغم فقدان البصر

منذ أن كان تلميذا في المدرسة الإبتدائية، أراد عمر لطيف أن يؤسس ويدير عملا خاصا به. أما الآن وبعمر يبلغ 33 عاما فقد أصبح عمر مؤسسا ومديرا لشركة “ترافيل آيز” المتخصصة في تنظيم الرحلات السياحية. غير أن المشروع الأول الذي أسسه والذي كان عبارة عن دكانا صغيرا لبيع الحاجات المتنوعة إلى الأصدقاء فشل في البقاء. ولكن منذ ذلك الوقت لم تتعرض الطموحات المشاريعية لعمر إلى أي عثرة بل حفلت بالحصول على درجة جامعية بالرياضيات والإحصاء والاقتصاد المالي تبعها وظيفة في المحاسبة بإحدى الشركات.
بيد أن عمر يؤمن بأنه قطع شوطا متقدما باعتباره مشاريعيا (entrepreneur). فمنذ أن بدأ يفقد بصره بشكل تدريجي حتى أصبح أعمى بالكامل وهو في سن لا يزيد عن العشرين، أصبح خبيرا في إيجاد الحلول لمشاكل يعتبرها عديد من الناس غير قابلة للحل. وعن ذلك يقول “إن كان المرء فاقدا لبصره فإن القفز عبر الموانع والعوائق يصبح أسلوبا للحياة”.


وعمر ليس وحده في الواقع في رفضه السماح للإعاقة التي يعاني منها بأن تقف في طريق طموحاته وتطلعاته المشاريعية. إذ أن ليز جاكسون، البالغة 34 عاما من العمر، قد استطاعات تأسيس مجموعة لتسويق منتجات الاتصالات على الرغم من فقدانها لبصرها قبل شهر واحد فقط من تدشينها لمشروعها. هناك أيضا سايمون مينتي، البالغ 39 عاما من العمر، الذي يدير مؤسسة إستشارة تخص المعوقين وتحمل اسم “مينتي أند فريند” والذي يعاني من عوق قصر القامة حيث لا يزيد طوله عن ثلاثة أقدام وأحد عشر إنجا ومن محدودية الحركة.


إن إنجازات هؤلاء الثلاثة تلقي الضوء على الخصائل المميزة للمشارعيين. وسواء كان المرء معاقا أم غير معاق فإن بناء عمل جديد يتطلب مزيجا من الصفات والخصائص النادرة وأهما الرؤية السليمة والإندفاع وتحمل كل أنواع الصعوبات والمشقات في سبيل تنفيذ الأعمال اللازمة. وكما تقول جاكسون “فإن الفرق بين النجاح والفشل يكمن دوما في وجود التصميم والإرادة من عدم وجودهما”.


وشأن العديد من المبدعين، دخل عمر لطيف مجال الأعمال من أجل سد ثغرة لم تلتفت إليها السوق. وعن ذلك يقول “أنا أعمى لكنني أردت أن أرى العالم”. وبدلا من أن يعتمد على أسرته وأصدقائه لكي يقودونه، قام عمر بتأسيس خدمة للرحلات تهتم في تمكين العميان من استكشاف العالم بشكل مستقل. وجريا على سمعة المشاريعيين باعتبارهم روادا ومغامرين، قام عمر بنفسه بالتوغل في أحراش وغابات نيكاراغوا.
تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز في تقرير نشرته عن أعمال عمر، إن شركة “ترافيل آي” تدير الآن خدمات عطلات تنطوي على خبرات غنية، بضمنها الغوص في أعماق البحر في كوبا، واستيعاب الأصوات والأذواق والروائح في منطقة توسكاني بإيطاليا بالإضافة إلى السباحة مع الدلافين. وتضم كل رحلة من الرحلات التي تقوم بها الشركة أزواجا من المبصرين والعميان. فمقابل خصم كبير في سعر العطلة يقدم له, يقوم المسافر المبصر، الذي هو في الواقع سائح وليس مرشد، بشرح ما يراه من خلال رسم صورة حية لزميله الأعمى حتى يستمتع هو الآخر.


وباعتباره رائدا وحيدا لفكرة لم تتم تجربتها في السابق، بدأ عمر لطيف العمل في هذا المجال في عام 2005 ليجد أن عليه أن يخلق سوقا خاصة به وأن يتغلب على الشكوك التي كان يبديها المجهزون لأنواع خدمات العطلات. ومن أجل أن يضمن حصانة مهنية بسعر لا يؤدي إلى خنق أعماله، دخل عمر في جولات صعبة وطويلة من المباحثات مع شركات التأمين. إذ يقول “لكون العمل جديدا فقد كان الأمر بالنسبة لي عبارة عن كفاح حقيقي. ولكنني عندما أومن بشيء فإنني لن أتركه يتبدد”.


ومن أجل أن يعوض عن الخصم الذي يمنحه إلى المسافرين المبصرين في الرحلات التي توفرها الشركة، عمد عمر لطيف على الحفاظ على انخفاض التكاليف عن طريق التعامل بشكل مباشر مع المرشدين المحليين وأصحاب الفنادق. ويقول إن شركة “ترافيل آي” قادرة الآن على تحقيق أرباح نسبتها 10% قبل استقطاعات الضرائب، أي بما يتماشى مع المعايير الاعتيادية في قطاع الصناعة من دون فرض تكاليف باهظة على الزبائن من العميان.
وبعد أن أظهر بأن شركة “ترافيل آي” قادرة على تحقيق الأرباح، أصبح عمر لطيف، الذي فاز مؤخرا بجائزة المشاريعي المعوق للعام التي تمنحها جمعية ليونارد تشيشاير للمعوقين، يبيع الآن رحلات سفر إلى أسواق أخرى ناطقة بالإنجليزية. وإذا سارت الأمور حسب الخطط المرسومة، فإن هذا التوسع سيرفع من مبيعات الشركة من مبلغ متواضع لا يزيد عن 130 ألف جنيه إسترليني في هذا العام إلى 8.5 مليون جنيه إسترليني في عام 2013.


ومثل عمر لطيف، بدأ سايمون مينتي بشيء يعرف الكثير عنه وذلك من أجل أن يرضي تطلعاته المشاريعية. فقد تخلى عن مهنة له في مجال العمل المصرفي ليتجه نحو أعمال مشاريعية تتدرج من شركة “أبنورمالي فاني بيبول” التي تمزج بين المهارات الكوميدية والإعاقة إلى إدارة شركة إستشارية في شؤون الإعاقة موجهة خدماتها إلى شركات كبرى.
يقول مينتي، الذي يمتلك الآن حصة مقدارها 50% في مؤسسة “مينتي أند فريند” الإستشارية والتي تزيد مبيعاتها السنوية عن 800 ألف جنيه إسترليني، إن أرباب الأعمال ينسون في بعض الأحيان الجانب الإنساني من إدارة العوق في مجال اختصاصاتهم حتى يكونوا ملتزمين بالقوانين. وباعتبارهما رجال أعمال يمتلكان خبرات شخصية بالإعاقة، فإن مينتي وشريكه فيل فريند، المقعد على كرسي، يستخدمان أساليب تتراوح من المسرح التفاعلي إلى التسوق من أجل إيجاد أفضل الحلول العملية للمشاكل التي يواجهها المعوقون على أرض الواقع.
لقد قادت الإعاقة بالسيد مينتي إلى طرق غير متوقعة. فقد نمت شركة “أبنورمالي فاني بيبول” وتطورت من مجرد مسرحية كوميدية طورها مينتي خصيصا لمهرجان أدنبره في عام 2005 وذلك بعد أن اتصلت فيه قناة سكاي التلفزيونية.


وهناك مشروع آخر يديره ويمتلكه مينتي وفريند تحت اسم “داينينغ ويذ أي ديفرانس”. وضمن هذا المشروع يقوم خبراء في شؤون الإعاقة في إجراء محادثات مع مديري شركات كبيرة حول الأعمال والإعاقة. وإدراكا من المؤسسة لضغوط الوقت التي يواجهها المديرون فإن المباحثات تتم خلال وجبات عشاء يدفع تكاليفها المشاركون من رجال الأعمال.
يعترف عمر لطيف والآنسة ليز جاكمسون بأن الإعاقة التي يعانيان منها قد ساهمت في تعريف العامة بما يقومان به من أعمال. وتبدي جاكسون صراحة أكثر في قولها إنها وباعتباراه مشاريعية ستقوم باستغلال أي فرصة جديدة تتاح أمامها، مضيفة “علي أن أتعامل مع نفسي باعتباري منتجا”.


وعن طريق أحاديثها في المدارس وفي فعاليات الأعمال، تجمع جاكسون بين الترويج لشركة “غريت غنز ماركيتينغ” للتسويق التي تمتلكها مع الترويج للمشارعية بين أوساط الشباب.
ويبدي الثلاثة جميعهم، عمر ومينتي وجامسون، عزما على التوسع في أعمالهم. إذ يقوم مينتي الآن بتقديم المشورة لبنوك استثمار في الصين وهونغ كونغ بشأن توظيف خريجين يعانون من الإعاقة. أما الآنسة جاكسون فسوف تتحدث الشهر الحالي أمام مؤتمر خاص بسيدات الأعمال يعقد في سلطنة عمان. وستحاول أثناء تواجدها هناك أن تستكشف إمكانية إقامة أعمال في منطقة الخليج.


في غضون ذلك يجري عمر لطيف الآن محادثات بشأن ربط شركته مع شركة “إيزيجروب” لرحلات العطلات. كما يقوم أيضا بإعداد برنامج خاص بالشركات تقوم فكرته على قيام الأعمال بتقديم إعانات للموظفين المبصرين للقيام بمهام مرافقي سفر في الرحلات التي تنظمها “ترافيل آي”.
تقول الفاينانشيال تايمز إن كل ذلك لا يعني بأن الإعاقة من شأنها أن تساهم في خلق المشاريعيين، إلا أن الأمر يبدو كما لو أن المشاريعيين ذوي الإعاقة يتعلمون بسرعة كيفية التقليل من أثر الإعاقة بل وتحويل الإعاقة نفسها إلى فائدة تفيدهم في القيام بأعمالهم.
كثير من الناس يعتقدون بأن فقدان البصر بعمر العشرينيات عبارة عن كارثة حقيقية تحل بالشخص الذي يعاني من ذلك. غير أن فقدان البصر بالنسبة إلى جاكسون يبدو وكأنه لا يعدو سوى عقبة واحدة لا أكثر. لقد بدأت جاكسون عملها في مجال في عام 1998. كان عمرها آنذاك 25 عاما ولم يكن لديها أي مال أو أصول عدا المنحة المتواضعة التي حصلت عليها من صندوق “تراست”.


أصيبت جاكسون بالعمى، الذي تعود جذوره لحالة وراثية تم تشخيصها منذ طفولتها، بشكل مفاجئ وغير متوقع. إذ تقول “في أسبوع واحد كنت قادرة على قراءة الكتاب. ولكن بعد أسابيع من ذلك أصبحت عاجزة عن أن أجده”. وبحلول عام 2006 أصدرت جاكسون كتابا حول تجربتها في تأسيس الشركة جاء تحت عنوان “البداية”.


تحاول جاكسون التغلب على إعقاتها بمساعدة من التكنولوجيا والتفكير الحرفي. فإذا ما قدمت عرضا ينطوي على تقديم شرائح توضيحية تقوم بارتداء آلة سمعية. وقد ساعدها إندفاعها على تشخيص فرص الأعمال وعلى التغلب على الصعوبات. وأصبحت شركة “غريت غانز” التي تديرها تحقق مبيعات قيمتها 3 ملايين جنيه إسترليني.
يؤكد المشاريعيون الثلاثة على أنهم ينظرون إلى الإعاقة التي يعانون منها باعتبارها عقبة واحدة من جملة عقبات يجب على المشاريعي أن يتوقعها. كما يذكرون أن الإعاقة قد جعلتهم مستمعين بشكل أفضل وميالين لحل المشاكل.

رأي واحد حول “عمر لطيف نجاح رغم فقدان البصر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *