ترك وظيفة مرموقة والبدء بمشروع جديد

البعض أعرب عن دهشته البالغة لقرار أندرو جينكينز القاضي بترك منصبه الرفيع في إحدى الشركات وهو بعمر 49 عاما لينضم إلى شركة “دوت كوم” وهي عبارة عن شركة خاسرة تمارس نشاطها من على شبكة الإنترنت. إلا أنه يصف قراره ذلك بأنه أكثر القرارات تحررا من القيود التي اتخذها في حياته.
فحتى بداية عام 2006، كان جينكينز يشغل منصب المدير التشغيلي للعمليات الأوروبية التابعة لشركة “جونز لانغ لاسال”، حيث قضى عشرين عاما يتسلق الهرم الإداري في هذه الشركة المتعددة الجنسية والتي تنشط في مجال تقديم الخدمات العقارية والمالية.


أما الآن فيمثل جينكينز نصف إدارة شركة “أيكانبلايت دوت كوم”، وهي شركة تعليم تتخذ من شبكة الإنترنت مجالا يقدم من خلاه موسيقيون مشهورون دروسا بالموسيقى.
يقول جينكينز عن شركته المبتدئة والتي يقع مقرها في مدينة باث الإنجليزية “لا أعرف بالضبط إلى أين نحن متجهون، لكننا ذاهبون إلى مكان ما”.
والجدير بالذكر أن جينكينز قد جمع 340 ألف جنيه إسترليني (680 ألف دولار) من ممولين خاصين إلا أنه لم يحقق حتى الآن أي إيرادات في وقت ما تزال شركته تختبر الخدمات التي يمكن تقديمها إلى الزبائن المحتملين.
وشأن جينكينز فإن العديد من الأفراد يختارون في بداية كل عام التمتع بفترة طويلة من الراحة بهدف التأمل والتفكير في المستقبل. بيد أن قرار جينكينز الذي يمثل قفزة كبيرة من مجال إلى مجال مختلف تماما قد كان تلقائيا بالنسبة إلى رجل كان يفكر في هذا الأمر طوال سنوات عديدة. فقد التقى بشريك أعماله الجديد، إيان سينغلتون، في حفل عشاء أثناء فترة ستة أشهر من الراحة ليقرر التحول إلى العمل الجديد. ويستذكر جينكينز بالقول “كان الأمر عبارة عن تلاقي أفكار”.


وعلى الرغم من أن قراره يبدو متسرعا إلا أن جينكينز يؤكد على أنه في موقع أكثر أمنا من ذلك المشاريعي (entrepreneur) الذي يبلغ نصف عمره. إذ يقول “علي أن اعترف بأن هذا النهج (الذي اتبعته) يمثل نهجا حذرا نحو المشاريعية (entrepreneurship). فالمشاريعي الحقيقي الرائد هو ذلك الذي يقدم على التحول في حياته وهو بعمر لا يزيد عن 25 عاما”.


كما يعترف جينكينز بأنه افتقد جيوش الموظفين الداعمين في شركته التي تركها والذين كان بإمكانه أن يستند عليهم رغم أنه لم يفتقد رحلات السفر الطويلة التي كان يقول بها. ويضيف “لا يمكتين للمء أن يقدر مدى وأهمية الدعم الذي يوفره عالم الشركات له”.
فأثناء عمله في شركة “جونز لانغ لاسال” كان جينكينز مسؤولا عن 2500 موظف. أما في شركة “أيكانبلايت” فإن إجمالي عدد الموظفين لا يتعدى أربعة بضمنهم جينكينز نفسه.
لكن جينكينز ليس لوحده في قراره القاضي بالهروب من حبال الشركات الكبيرة. فعدد كبار المديرين الذين تصل أعمارهم إلى نهاية الأربعينات بل ونهاية الخمسينات ممن يقدم على التحول إلى شركات مبتدئة يمتلكونها في ارتفاع مستمر، حسبما تقول ربيكا هاردينغ المدير العام لمؤسسة “ديلتا إيكونوميكس” التي تحلل معدلات الشركات المبتدئية في المملكة المتحدة.


وتقول هاردينغ إن عوامل عديدة تقف خلف هذا الظاهرة بضمنها شخصية الشباب داخل الشركات المدرجة أسهمها في البورصات العالمية، الأمر الذي يعني أن المديرين الأكبر عمرا يرون في الغالب فرصة أفضل في تأسيس شركات خاصة بهم أو في استخدام خبراتهم في مساعدة شركات مبتدئة أخرى. وتضيف “هناك العديد من الحوافز أمام الانتقال مع التقدم بالعمر. وهذا يعود إلى حقيقة أن حي المال في لندن أصبح أصغر عمرا” بمعنى أن أعداد الشباب فيه في تزايد ملحوظ.
اليستر باكستر، الذي ترك منصبه مديرا عاما لشركة “غرانادا فوود سيرفيسيز” للخدمات الغذائية بعد أن قضى 25 عاما في الشركة من أجل أن يؤسس شركة مستقلة في نفس المجال تحت اسم “باكستر ستوري”، يقول إنه لم يعد قانعا بمنصبه الرفيع في الشركة السابقة.
ذلك دفع باكستر إلى الانتقال من شركة تصل قيمة مبيعاتها السنوية إلى 900 مليون جنيه إسترليني وتوظف 45 ألف موظف إلى تأسيس شركة مبتدئة تدار من مكتب صغير في منطقة جيراردز كروس غربي لندن وتوظفه له وشريكه كيث ويلسون.


ولم يكن باكستر راضيا عن توسع شركته الجديدة بوتيرة بطيئة. فبعد أن قضى بضعة أشهر وهو يحاول بناء عمله الجديد وتوسيعه بشكل ذاتي، وجد فرصة للاستحواذ على شركة تبلغ مبيعاتها 20 مليون جنيه إسترليني يمكن أن تمنحه ما يريد من مساحة في قطاع الأغذية.
وفي هذه المرحلة تعد سمعة باكستر في عالم الشركات الكبرى قيمة للغاية. فقد مكنته من تأمين قرض من البنك استخدمه لاستكمال صفقة الاستحواذ البالغة قيمتها عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية والتي منحته مع ويلسون حصة مقدارها 60% في شركة أكبر.
يقول باكستر “لو كان عمرنا 25 عاما لم يكن لدينا على الأرجح المعرفة أو المهارة أو حتى المصداقية للقيام بما قمنا به”.


وبموجب الصفقة تحول اسم شركة “ويلسون ستوري” إلى “ويلسون ستوري هاليدي” ليتحول اسمها بعد صفقة اندماج أخرى إلى “باكستر ستوري”. وقد أصبحت الأخيرة الآن تحتل المرتبة الخامسة في قائمة أكبر الشركات في مجال تقديم خدمات الأغذية بمبيعات تصل إلى 133 مليون جنيه إسترليني سنويا.
ويعتقد باكستر أن نجله دونكان البالغ 28 عاما من العمر قد يصبح مشاريعيا بعمر يقل كثيرا عن عمر والده الحالي. إذ يقول “عندما تخرجت من مدرسة أسكوتلندية للفندقة في عام 1975 لم يخطر ببالي أن أقيم شركة خاصة بي إلا إنني أعتقد الآن أن هناك بيئة أفضل بالنسبة إلى المشاريعيين”. لكن باكستر يضيف بأنه سعيد في أن يرى نجله يبدأ حياته العملية بوظيفة مدفوعة الراتب في شركة نفط كبرى حيث يمكن له أن يحصل على خبرة العمل في أسواق خارجية مثل الصين.


تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز إن مثالي “أيكانبلايت” و “باكستر ستوري” هما من الأمثلة النادرة في مجال الأعمال التي تم تأسيسها من قبل أولئك الذين كانوا يتمتعون بوظائف ناجحة مدفوعة الراتب من حيث أن مؤسسي هاتين الشركتين ما يزالون يمتلكون طموحات كبيرة. إذ تلاحظ هاردينغ أن أغلب الشركات المبتدئة التي تم تأسيسها من قبل أولئك الذين هم في الأربعينيات أو الخمسينيات من أعمارهم هي شركات ينصب تخصصها على خدمات نماذج الحياة أو أنها لا تعدو أن تكون سوى شركات استشارة.
لقد قضى مايك موران 22 عاما من عمره في بناء وظيفة مميزة داخل الشركات الكبيرة حيث شغل منصب مدير العمليات التجارية في شركة “تويوتا جي بي” قبل أن يقضي فترة قصيرة كمدير لقسم الاستراتيجية الدولية لدى شركة “آر دبليو إي تيمز ووتر” لتوزيع المياه.

وقد ترك موران الشركة الأخيرة عندما أقدمت شركة “آر دبليو إي” على بيع “تيمز” إلى بنك ماكواري الأسترالي في عام 2006 ليقدم على إقامة ثلاثة أعمال، وهي: “أورتشارد كونسلتنسي” الاستشارية في مقاطعة أكسفوردشاير والتي تتخصص في خدمات التسويق وإستراتيجية الأعمال، و “ذي أوتوموتيف بارتنرشيب” التي تقدم خدمات الاستشارة لوكالات بيع السيارات، و “سي في هاوس” لخدمات كتابة السير الذاتية. ويبلغ إجمالي مبيعات هذه الأعمال نحو 500 ألف جنيه إسترليني سنويا.


يقول موران إن إقدام المرء على بناء عمله الخاص ليس أقل صرفا للوقت من الوظيفة الرفيعة مدفوعة الرتب لكنه يتيح عددا أكبر من الفوائد والميزات. ويضيف قائلا “لا شك أن المرء في بدئه لشيء جديد يجب أن يبذل أقصى جهد ممكن وأن يقدم أكبر قدر من التنازلات، لكن الفرق هو: مهما كانت قيمة ما يخلقه المرء في هذه العملية فإنها قيمته لذاته”.
وعلى الرغم من أن موران يقول أنه من الصعوبة جدا الآن إقناعه بأن يتخلى عن حياته الجديدة باعتباره مشاريعيا، إلا أنه يعترف بأنه ما يزال لديه طموح بأن يصبح مديرا تنفيذيا لشركة مدرجة في مؤشر فاينانشيال تايمز 250. إذ يقول “إنني محفز جيد جدا ومدير جيد للموظفين وأنا بارع في جمع فرق من الموظفين معا من أجل تحقيق نتائج عظيمة”.


أما كارين ويستاوي وكلير جيليس فقد دارا دورة كاملة في حياتهما المهنية. فقد التقيا عندما كان شابين طموحين يعملات في شركة “آي بي إم” قبل أن يتركا وظيفتهما في عام 1997 لكي يؤسسا شركة “ويستاوي جيليس” التي هي عبارة عن شركة استشارية في مجال الصناعات الدوائية.
غير أنهما أقدما قبل ستة أشهر على بيع الشركة إلى “غري جروب” التي هي عبارة عن قسم من أقسام شركة شركة “دبليو بي بي”.
تقول جيليس إنهما خططا دوما لبيع الشركة رغم أنهما استمتعا كثيرا بخبرة ترك حياة الشركات. وتضيف “ليس هناك شيء أروع من أن تعمل في عملك الخاص وأن يكون عملك إلى جانب أحد أفضل أصدقائك، وخصوصا عندما يكون لديكما مهارات تكمل بعضها الآخر”.
تقول صحيفة الفاينانشيال تايمز إن نصف العاملين برواتب يدرسون إمكانية ترك وظائفهم بغية الانتقال إلى حياة مهنية جديدة، حسب بحث أجراه معهد تشارتارد للموظفين والتنمية.
وقد وجد مسح أجري في يناير الماضي على شبكة الإنترنت أن 47% من العاملين برواتب إما يحاولون ترك وظائفهم أو أنهم بدءوا بالبحث عن وظائف أخرى.


ويعتقد مايك إيموت المستشار في معهد تشارتارد بأنه يتعين على الموظفين غير الراضين عن وظائفهم والذين يفكرون بطريق لترك وظائفهم والتوجه نحو تأسيس شركات مبتدئة أن يفكروا بالأسئلة التالية:
• ما هي قدرتك على تحمل المخاطر؟ إذ أن الانضمام إلى شركة مبتدئة غالبا ما يكون مسألة تتعلق بشخصية الفرد.
• هل أن عدم رضاك الحالي برب عملك ينبع من الفرض الضائعة أم أنه انعكاس لأدائك؟ إذا كان الأمر يتعلق بالأداء، فإن بإمكانك أن تعالج الأمر من دون تركك للوظيفة في الشركة التي تعمل بها؟
• هل هناك شيء يمكنك القيام به لدورك الحالي بما يجعل من وظيفتك أكثر تطابقا مع مزاياك ونقاط قوتك؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *